نافذة مصر
* عام يمر على خروجي للتظاهر السلمي يوم السادس من سبتمبر لعام 2013م بسبب رفضي للظلم والقمع والمذابح التي حدثت بعد 30 يونيو والتي أعادت إلينا الدولة العسكرية البوليسية بصورة أفظع مما كانت عليه أيام المخلوع مبارك .

*عام يمر وقد وجدت نفسي محاطاً ومحاصراً بمجموعة من البلطجية المسلحين الذين ساعدوا الشرطة في فض وقاموا بأخذ كل ما أحمله من مال وأوراقٍ وهاتفي المحمول ثم يسلمونني إلى الشرطة لأكتشف بعد ذلك أنني أصبحت جانياً ولست مجنياً عليه !

*عام يمر و أجد نفسي أمام النيابة العامة متَّهماً بأربعة عشرة تهمة من انضمام لجماعة محظورة مروراً بزعزعة الاستقرار والأمن القومي وتكدير السلم العام وحرق كشك سجائر وتعطيل المواصلات وقطع الطرق والسعي إلى قلب نظام الحكم والهتاف ضد الجيش والشرطة .. إلى آخر هذه الاتهامات التي أصبحت الآن محفوظة ومعروفة لدى الجميع وجاهزة ضد من يريدون .

*عام يمر ويتم حبسي خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيقات وأقضي أسبوعاً في قسم الشرطة ومعي 24 متهماً مثلي في نفس القضية وبنفس التهم ونمكث في غرفة ضيِّقة لا تتسع لكل هذا العدد ولا يوجد بها شيء سوى شفاط صغير نلتقط أنفاسنا من خلاله ، يُغْلَقُ أحياناً ويُفْتَحٌ أحياناً حسب رغبة من هم خارج الغرفة .

*عام يمر و أٌنقَلُ إلى السجن العمومي و ألقى كَمّاً هائلاً من التوبيخ والإهانة والذل من مخبرين وظباط وكأننا نحن القتلة المخربون الذين يسعون في الأرض فساداً ، وكأنهم هم الوطنيون المخلصون الذين يٌضَّحون من أجل مصر و يُقْتَلونَ ويُطاردون ويُسجنون وينامون في الميادين من أجل تراب هذا الوطن ، بل وكانهم الثوار الأحرار ونحن أعداء الوطن !

*عام يمر وأجد نفسي في زنزانة 1,5م×2,4م ومعي ستة آخرين ، سبعة أشخاص في 3,6 متر مربع ، زنزانة لا يوجد بها حمام - الحمام فيها عبارة عن برميل يُطلق عليه برنيكة - نقضي فيها 22 ساعة .. ونحن سبعة أفراد مطالبون في هذه المساحة أن نأكل ونشرب ونصلي ونقضي حاجتنا وننام ! نخرج "للفسحة" مرتين لدخول الحمام ورمي البرنيكة وملئ المياه ، ونجد في هذه "الفسحة" العنبر مليء بالمساجين العنبر مليء بالمساجين الجنائيين الذين لايعلم حالهم إلا خالقهم ، ونجد مالا يقل عن 500 مدخن يدخنون في وقت واحد و نجد القمامة وماء "البرنيكة" يُلقى علينا من الأدوار العليا والحمامات مكتظة عن آخرها ، فبمجرد نجاحك في حجز الحمام ودخوله تجد السجَّان يصرخ في وجهك من أجل الخروج والعودة إلى الزنزانة ، فلقد انتهى وقتك وجاء وقت التَّمَام .

*عام يمر و أرى أهلي من خلال سلكين غليظين المسافة بينهما 50 سم ويزور معي 30 فرد ولا يكاد كل منّا يسمع أهله من الزحام الشديد والأصوات المتداخلة المتعالية ومدة هذه الزيارة من 10-25 دقيقة فقط لا غير !

*عام يمر وأذهب إلى النيابة وكل مرة يُجَدَّدْ لي الحبس الاحتياطي .. بلا قانون .. بلا ضمير أجد نفسي محبوساً إحتياطياً لمدة 8 أشهر على ذمة التحقيقات التي لا تتم أصلاً ولا يوجد يوجد أي تحقيق منذ أول يوم قابلت فيه النيابة ، تمنيت خلال هذه المدة أن أُعرض أمام قاضٍ عادل ينظر في هذه القضية "الفشنك" التي لايوجد بها ثَمَّة دليل واحد على أي تهمة من التهم الموجهة لي وكانت ثقتي كبيرة في قضاء مصر الشامخ الذي بمجرد النظر في هذه القضية الهزيلة سينطق على الفور ببراءتي ومن معي .

*عام يمر وقد جاء وقت امتحانات أعمال السنة فيٌسارع المحامي من أجل الحصول على إذن النيابة بحضوري الامتحان بالكلية حتى لا تضيع السنة الدراسية هي الأخرى ، فيأتي المحامي بالتصريح واذهب لأداء امتحان أول مادة ، ثم أفاجأ بمنعي من أداء باقي الامتحانات بالكلية ضاربين بإذن النيابة عرض الحائط ، فأدخل في إضراب من أجل الاعتراض على ذلك ، ولكنَّ أحداً لم يكترث بهذا الأمر ، وتأتي المفاجأة الكبرى عندما أٌحْرَم من أداء امتحانات نصف العام لأنني "لم أَقدم عذراً مقبولاً لعدم حضوري السكاشن والامتحانات العملي"!!

*عام يمر و أجد نفسي أخيراً أمام قاضي جنايات من المفترض أنَّه سينظر القضية بحيادية تامة وسيبحث أولاً عن الأدلة التي تُثبت الإدانة والتي ليس لها وجود ، فأجده يٌخرِج أحراز القضية الكبرى المتهم فيها 25 شخص ، أجده يُمسِك بكيس بلاستيك أسود اللون بداخله 4 ظلطات وزجاجتين خل وبوستر عليه إشارة رابعة ، وبُناءً على تحقيقات النيابة تمَّ العثور على هذه الأحراز الضخمة أسفل أحد العقارات في الشارع !! بعد مرافعات طويلة وجلسات عديدة واستماع لشهود في قضية لا تساوي حتى ثمن الورق المكتوبة عليه .. يحكم علينا القاضي الظالم بالسجن ثلاث سنوات !!

*مما لاشك فيه أنَّه سوف تمر هذه الأيام ويأتي الفجر من بعد الظلام .. وسينتصر الحق ويصبح الباطل ركام .. وسنخرج من السجن وجميع الأحرار المعتقلين .. لنستكمل ثورتنا ونحقق مطالبها التي دفع ثمنها الشهداء ومن أجلها دخلنا السجون .. ومن أجلها سنستمر في النضال الثوري .. مهما كلفنا ذلك ..
. هنكمل المشـــوار .