نافذة مصر
جاء "علي جمعة" المفتي المختار، من قبل المخلوع حسني مبارك، ليسيء للإخوان المسلمين، فكرمهم من حيث لا يدري ولا يتوقعون!.
هناك ألف سبب وسبب، يجعلك تختلف مع الإخوان المسلمين، وتصل بخلافك معهم إلى مستوى الخصومة السياسية، دون أن تكون بحاجة، إلى الفبركة والتأليف، على النحو الذي قام به "علي جمعة"، معتمداً على أن الناس لا تقرأ، على الرغم من أنه حثهم على قراءة كتاب للجماعة عن قضية السيارة الجيب، "مرفوع على الانترنت"، ويؤكد فساد الإخوان،"وأن العنف والإرهاب وسفك الدماء هو أصل في هذه الجماعة".
المفتي السابق، بدا كما لو كان قد عرف بقصة قضية السيارة الجيب الآن، فصاح في البرية: "وجدتها"، ونشر اكتشافه العبقري في بيان، احتفى به إعلام الثورة المضادة، والذي بثه تحت عناوين لافتة تدور حول أن جمعة يكشف قضية السيارة الجيب، التي اعتبرها المكتشف الكبير: "أكبر دليل على فساد جماعة الإخوان المسلمين"، وليس هذا فحسب الذي كشفه هذا الاختراع للمكتشف "جمعة"، فقد "تأكد لنا يقيناً أن التطرف والكذب جزء من فكر جماعة الإخوان المسلمين".
لم ينشغل الإخوان بالرد على آخر مفتي في دولة مبارك، ربما تعالياً، وربما ظناً منهم أن الشعب يعرف الحقائق، وهي أمور من تجليات مرحلة حكمهم، "التعالي والظن الحسن غير القائم على أساس"، وقد أوردوا ثورتنا بسبب ذلك مورد التهلكة، عندما صاروا هم العنوان الأبرز فيها، بالاختيار الحر المباشر من قبل الشعب المصري، ليكون الرئيس محمد مرسي هو اختيار الثورة، في مواجهة النظام القديم الذي كان يمثله الفريق أحمد شفيق.
وقد صدمنا جميعاً في الوقت الضائع، أن عواماً وأساتذة جامعات، لم يكونوا ينظرون إلى توفيق عكاشة مثلاً على أنه "أراجوز الإعلام المصري"، وإنما كانوا يثقون في كلامه في وقت كنا نشاهده للتسلية والضحك.
قضية السيارة الجيب التي اكتشفها المخترع "علي جمعة"، وقعت أحداثها في نوفمبر سنة 1948، وقد قدر لي أن أحاور في نهاية الثمانينات أحد أبرز المتهمين فيها وهو "أحمد عادل كمال"، صاحب المؤلف المعروف: "النقاط فوق الحروف - قصة النظام الخاص"، والذي بدا أن الدافع لكتابته له، هو كتاب صدر من أحد قيادات الجماعة الذين يعادون "النظام الخاص"، ويرون أنه انحرف عن طريق الجماعة، وهو الراحل صلاح شادي.
في الكتب التي ألفها بعض المعادين للجماعة، وضعت قضية السيارة الجيب كواحدة من أدلة الاتهام للجماعة على ممارستها للعنف والإرهاب، وكانت هناك رؤية أخرى جاءت في "النقاط فوق الحروف"، دفعتني لأن ألتقي بالرجل وأحاوره، وأذكر أنه قال لى إن هذه القضية مفخرة للإخوان. بيد أن المشكلة تكمن في انتزاعها من سياقها التاريخي، والتعامل وفق نظرية "الإلهاء"، بحسب المثل الشعبي السوقي، الذي يقال في مثل هذه المواقف!.
لقد كانت نية الحكومة برئاسة محمود فهمي النقراشي مبيتة على حل الجماعة، ولهذا فقد رأى "النظام الخاص"، أن ينقل بعض متعلقاته من أوراق وأسلحة وذخيرة من شقة إلى شقة، وكان هذا عبر سيارة جيب، لكن أحد المخبرين إرتاب في السيارة، لأنها لم تكن تحمل أرقاماً، وعند تفتيشها وجدوا فيها ما استخدم مبرراً، لحل الجماعة، ومصادرة أموالها، وتأميم ممتلكاتها، وفصل المنتمين لها من الوظائف الحكومية ومن التعليم!.
ولأن الإخوان أكدوا أن الأسلحة والمتفجرات كان يتم جمعها لصالح فلسطين فقد استمعت المحكمة لمفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني، والذي أجاب رداً على سؤال المحكمة: هل كان للإخوان حركة شاركت في فلسطين؟.. بنعم شاركوا بأنفسهم وجمعوا أسلحة وذخيرة، وكان بعض رجال "الهيئة العربية" يستعينون بالإخوان في جمع الأسلحة وشرائها.
أما اللواء أحمد فؤاد صادق باشا قائد عام حملة فلسطين، فقد كانت شهادته إشادة بالإخوان ودورهم في هذه الحرب فقد "كانوا جنوداً أبطالاً أدوا واجبهم على أحسن ما يكون".. "إنهم قاتلوا قتالاً مجيداً" وقد كانوا "أحسن ما لدي من الجنود".
وقال اللواء أحمد علي الموادي بك قائد حملة فلسطين في شهادته أمام المحكمة إن الإخوان سبقوا القوات النظامية إلى أرض فلسطين.
ولأن السلطة التنفيذية لم تكن تهيمن على القضاء في هذه الفترة ( سنة 1948) فقد جاء حكم المحكمة على غير ما تهوي نفس رئيس الوزراء النقراشي باشا، إذ أكدت في حيثياتها أن "المتهمين كانوا من ذوي الأغراض السامية، التي ترمي أول ما ترمي إلى تحقيق الأهداف الوطنية لهذا الشعب المغلوب على أمره".
وعندما أدان الحكم بعض المتهمين لم ينس التأكيد على أن "المحكمة تشيد بمبادئ جماعة الإخوان المسلمين ولكن المتهمين انحرفوا عنها لدوافع وطنية كأبناء شعب محتل ومغلوب على أمره وتحت تأثير كارثة فلسطين".
واللافت أن "علي جمعة" في بيانه، تجرأ على الحيثيات وعبث بها، واقتطع منها وأضاف إليها لحاجة في نفسه قضاها، على نحو كاشف بأن سوء النية متوفر لديه. فقد ذكر أن حيثيات الحكم جاء فيها "أن المتهمين انحرفوا عن الطريق السوي، فحق للمحكمة أن تلقنهم درساً حتى تستقيم الأمور". والذي لم يعلمه المذكور، وربما علمه وقام بتغطيته بطرف ثيابه، أن قاضي قضية السيارة الجيب أحمد كامل بك، بعد هذه القضية انضم لجماعة الإخوان، وكانت القضية سبباً في معرفته للجماعة فكيف يقول عنها إنها انحرفت عن الطريق السوي. وما فهم منه أنه كذلك فإنه يعني أن الجماعة هي التي تمثل هذا الطريق، وأن الانحراف عنه مبرر بـ "الأغراض السامية"، و "تحقيق الأهداف الوطنية" لـ " شعب محتل ومغلوب على أمره".
سيترك القوم بما كتبت الرد على حقائق التاريخ، ليتهموا الكاتب بأنه إخوان، وزميل كتب مقالاً في "الأهرام" بعنوان "عزوز مهدي الإخوان المنتظر"، مع أنني كنت أنتقد القوم في وقت كان فيه المفتي الجهبذ يتقرب إليهم زلفى عندما كانوا في السلطة، بل وعندما كانوا في المعارضة، لكني لم أكن في حاجة للتجرؤ على التاريخ، والقص واللزق!
لا بأس، أنا المرشد.

