عقدت قمة ثلاثية في العاصمة الإريترية أسمرة بمشاركة رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي ونظيريه الإريتري أسياسي أفورقي والصومالي حسن شيخ محمود، وسط تصاعد التوترات الإقليمية وخصوصًا في منطقة القرن الأفريقي. تأتي هذه القمة في وقت حساس تواجه فيه مصر تحديات وجودية على عدة أصعدة، أبرزها قضية سد النهضة الذي بات يشكل خطرًا حقيقيًا على الأمن المائي المصري، ويضع النظام في القاهرة في موقف حرج. قمة الأزمات خلال القمة، ناقش القادة سبل تعزيز العلاقات بين الدول الثلاث، مع التركيز على الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة لترسيخ الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ولكن خلف هذه التصريحات الدبلوماسية تكمن أزمة سد النهضة التي تلقي بظلالها على كل تحركات مصر الخارجية في الوقت الحالي. السيسي، الذي وصل إلى أسمرة في زيارة غير معلنة المدة، يحاول استغلال هذه اللقاءات لتشكيل تحالفات إقليمية جديدة تمكنه من مواجهة الضغط المتزايد من إثيوبيا بشأن سد النهضة، وهو السد الذي يعتبر تهديدًا استراتيجيًا لمصر التي تعتمد على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه. هذه التحركات تكشف عن حالة من العجز السياسي والدبلوماسي التي تعاني منها الحكومة المصرية، في ظل استمرار إثيوبيا في ملء السد وتشغيله دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع القاهرة والخرطوم. تصاعد التوترات مع إثيوبيا التوترات بين مصر وإثيوبيا لم تقتصر فقط على سد النهضة، بل شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا في التصريحات بين الجانبين بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي، ما يسمح لأديس أبابا ببناء قاعدة بحرية على البحر الأحمر. هذه الخطوة اعتبرتها مصر انتهاكًا لسيادة الصومال وزيادة في تعقيد الأوضاع الإقليمية. الحكومة المصرية، التي لطالما حاولت الضغط على إثيوبيا عبر الوسائل الدبلوماسية، وجدت نفسها في مواجهة تحالفات جديدة في القرن الأفريقي. التحالفات الإقليمية التي تشكلها إثيوبيا باتت تهدد بتعميق العزلة الدبلوماسية لمصر. في هذا السياق، جاء اتهام إثيوبيا لمصر بتقديم مساعدات عسكرية للصومال، واعتبرت ذلك "تدخلًا خارجيًا" قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة. فشل الدبلوماسية المصرية السيسي وحكومته حاولوا مرارًا وتكرارًا الوصول إلى حل دبلوماسي لقضية سد النهضة، عبر اللجوء إلى المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل. أديس أبابا تستمر في سياساتها الأحادية، مع عدم وجود أي نية للتراجع أو الوصول إلى تسوية مرضية لمصر. الحكومة المصرية، في المقابل، تلجأ إلى تنظيم قمم إقليمية ومؤتمرات، لكنها تبدو عاجزة عن تحقيق أي تقدم حقيقي. زيارة السيسي إلى أسمرة ليست إلا محاولة جديدة لإعادة ترتيب أوراقه في منطقة القرن الأفريقي، لكنها تعكس أيضًا حالة من الضعف والاضطراب. فالسيسي، الذي يعتمد بشكل كبير على التحالفات الخارجية لتأمين دعم سياسي، يجد نفسه محاصرًا في منطقة تزداد تعقيدًا وصعوبة. إثيوبيا تمضي قدمًا في سياساتها، بينما مصر تغرق في أزماتها الداخلية والخارجية. تداعيات داخلية وتفاقم الأزمات قضية سد النهضة لا تتعلق فقط بالمياه، بل تتجاوز ذلك لتشكل تهديدًا وجوديًا للأمن القومي المصري. في الداخل، يواجه السيسي ضغوطًا متزايدة من الشعب الذي يعاني من تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم. كل هذه العوامل تزيد من هشاشة النظام وتضعه أمام تحديات غير مسبوقة. الحكومة المصرية تحاول طمأنة الشعب بأن لديها خططًا لمواجهة أزمة المياه المحتملة، لكنها لم تقدم حتى الآن حلولًا عملية أو خطوات جادة للتعامل مع الكارثة الوشيكة. في المقابل، تستمر إثيوبيا في ملء السد وتشغيله، مما يزيد من تعقيد الأوضاع ويضع مصر في موقف لا تحسد عليه. تحالفات هشة ومحاولات أخيرة القمة الثلاثية التي جمعت مصر وإريتريا والصومال قد تبدو في ظاهرها خطوة لتعزيز التعاون الإقليمي، لكنها تعكس في الواقع محاولة من النظام المصري لإيجاد مخرج من أزماته المتراكمة. العلاقات بين الدول الثلاث، رغم أهميتها، لن تكون كافية لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها مصر، خصوصًا في ظل استمرار إثيوبيا في تجاهل المطالب المصرية. السيسي يبدو في هذه المرحلة وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة سياسيًا، فالحكومة تواجه تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة، ولم تعد التطمينات الرسمية أو التصريحات الدبلوماسية قادرة على إخفاء حجم الفشل الذي تعاني منه. مع استمرار إثيوبيا في بناء سد النهضة وتحقيق تقدم في تحالفاتها الإقليمية، يصبح من الواضح أن مصر بحاجة إلى استراتيجية جديدة تتجاوز الاجتماعات والقمم الرمزية.
خاتما ؛ في نهاية المطاف، قضية سد النهضة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السيسي وحكومته على الصمود في وجه الأزمات الإقليمية الكبرى. النظام المصري يواجه عزلة متزايدة وتحديات داخلية تهدد استقراره، ومع استمرار إثيوبيا في تنفيذ مخططاتها، يبدو أن السيسي يجد نفسه في سباق مع الزمن لإيجاد مخرج من هذه الأزمة، قبل أن ينهار كل شيء.

