قال الباحث الأكاديمي عبدالتواب بركات في ورقة بحثية "المصريون في معاناة مزمنة بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية ونقص الكميات الكافية منها للاستهلاك المحلي، وعلى رأسها رغيف العيش والأرز والسكر وزيت الطعام واللحوم والدواجن وبيض المائدة وغاز البوتاجاز، وكذلك بسبب ارتفاع أسعار الخدمات العامة، من الكهرباء ومياه الشرب والغاز الطبيعي إلى وقود السيارات والمواصلات العامة".
وجاء تنبيه "بركات" وهو مستشار سابق لوزير التموين المعتقل بسجون الانقلاب د.باسم عودة في ورقة بحثية بعنوان "الغلاء المزمن في مصر: المظاهر والأسباب والحلول الممكنة"، التي نشرها موقع المعهد المصري للدراسات.
سياسات السيسي
وأكد بركات أن الأزمة ممتدة ل2013 حيث الانقلاب على الشرعية معتبرا أن سياسات السيسيي الاقتصادية المعيبة هي
معيبة أكثر من أي عهد مضى. حيث يزدري المشاريع المهمة والعاجلة وينشغل بالمشاريع الهامشية وغير المجدية أحيانا، لا لهدف إلا لتحسين صورته البائسة وأخذ اللقطة ورفع الروح المعنوية للجماهير المخدوعة، دون مراعاة للمصداقية وأمانة المسؤولية.
واسشتهد على ذلك باعتراف السيسي بقوله: "إن التحديات الموجودة في مصر أكبر من كل رئيس وحكومة".
وفي السياق ذكر بما قالته مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في 20 ابريل 2023، إن "أوضاع الاقتصاد المصري في تدهور وتزداد سوءا".
وأشار إلى سياسة حكومة السيسي ب"بناء إيرادات الموازنة على جباية الضرائب التي ستمثل 77 % من الإيرادات".
فوضى القروض
وعن السبب الثاني أكد أن الانقلاب توسع في الاقتراض الأجنبي حتى وصل إلى 145.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2021، وارتفع بعد الانتهاء من إعداد التقرير إلى 157.8 مليار دولار بنهاية مارس 2022، أدى إلى بعثرة موارد الموازنة العامة في خدمة فوائد الديون وأصولها.
وشكك بركات في قدرة الانقلاب على تخطي الأزمات مشيرا إلى تخبط انقلاب "في تقدير أولوية الاقتراض لمشاريع ثانوية وغير إنتاجية، وإهمال مشاريع قومية وإنتاجية مولدة لفرص العمل هو أخطر آفات الاقتصاد المصري. على سبيل المثال، يبني النظام العاصمة الإدارية الجديدة بتكلفة 60 مليار دولار، وخط السكك الحديدية بين العين السخنة والعلمين والمونوريل بتكلفة 26.5 مليار دولار، ومحطة الطاقة النووية في الضبعة بتكلفة 25 مليار دولار. ومحطات توليد الكهرباء بتكلفة 6.7 مليار دولار، رغم وجود فائض كهربائي يصل إلى 75 % من حجم الاستهلاك".
تعويم وراء آخر
ونبه بركات إلى أن الجنيه فقد قيمته الشرائية للسلع التي تستورد معظمها من الخارج، خاصة الغذائية التي لا غنى عنها لكل أسرة، مثل زيوت الطعام والمكرونة واللحوم، أو تحتاج إلى مواد أولية لانتاجها، مثل الذرة الصفراء وفول الصويا والأدوية التي تشكل أكثر من 80% من تكلفة انتاج لحوم الدواجن وبيض المائدة، وتضاعفت لذلك أسعار السلع.
التعامل مع الأزمات
وأشار في هذا السبب الرابع إلى تقصير "الحكومة" في تقديم الدعم الاجتماعي لعموم المواطنين، فضلا عن الفقراء ومن فقدوا مصدر رزقهم وتحولوا إلى عاطلين عن العمل، وأصحاب العمالة اليومية الذين جلسوا في بيوتهم بلا مورد رزق أثناء جائحة كورونا.
ونقل عن تقرير "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي" حول تأثير فيروس كورونا على استهلاك الأسر المصرية، فقال إن "5.4 % فقط من الأسر المصرية تلقت منحة العمالة غير المنتظمة، وهي 500 جنيه، 32 دولاراً، للأسرة ولمدة ثلاثة أشهر فقط!".
ونقل أيضا من تقرير الجهاز الحكومي أن "ثُلث الأسر المصرية لا يكفيها دخلها، وأن نصف الأسر التي لم يكفيها الدخل اضطرت إلى الاقتراض للوفاء بحاجة أولادها من الغذاء الضروري، وأنّ 17 % منهم قبلوا تبرعات من أهل الخير والمحسنين، وأنّ 15 % من الأسر باعت جزءاً كبيرا من ممتلكاتها للوفاء بمتطلباتها الحياتية".
هدر فرص الاكتفاء
وعن هدر النظام خطط الاكتفاء الذاتي، قال عبدالتواب بركات إن السيسي حارب خطط الاكتفاء الذاتي التي ميزت حكم الرئيس محمد مرسي، والتي نجح فيها مرسي وأنه في العام الأول من خطة للاكتفاء الذاتي من القمح خلال 4 سنوات، بنسبة 30%.
وبالمقابل، أضاف أن السيسي أمعن "..بمحاربة زراعة الأرز وتغريم وسجن من يزرع أكثر من المقرر. أدت هذه السياسة لاستمرار مصر، عمدا أو جهلا، كأكبر مستورد للقمح في العالم بمعدل 13.1 مليون طن، ورابع أكبر مستورد للذرة الصفراء بمعدل 9.7 مليون طن، والاعتماد بنسبة 97 %، على واردات زيت الطعام من الخارج. وتحولت مصر من مُصدر للأرز إلى مستورد له بمعدل 800 ألف طن".
الجيش ومفاصل الاقتصاد
والسبب السادس بحسب الورقة هو "تحكم الجيش في مفاصل الاقتصاد الوطني" وأن ذلك أدى لاحتكار موارد الأرض الصالحة للاستزراع ومياه الري ومقومات الإنتاج الزراعي والصوب الزراعية والإنتاج الحيواني والسمكي والتصنيع الغذائي بطريقة ممنهجة منذ 2014، وفق معلومات دقيقة وثقها الباحث يزيد صايغ بمعهد كارنيجي.
إلغاء الدعم
وأكد الباحث أن تخفيض الدعم الاجتماعي بجميع صوره بطريقة مباشرة، رفع أسعار السلع، ومن آثار غير المباشرة؛ "تخفيض وزن الخبز ومقررات السلع الغذائية في منظومة البطاقات التموينية، وحذف ملايين الأسر تعسفيا وعشوائياً من منظومة دعم الخبز والسلع التموينية، وحرمان المواليد الجدد من كل صور دعم الغذاء، رغم زيادة معدلات الفقر والبطالة، وتأثيراتها على زيادة معدلات الطلاق وتعريض أطفال المستقبل للتفكك الأسري".
وأشار إلى أنه عمليا، ثبت أن مشروع الموازنة العامة القادمة شهد انخفاضاً بنسبة تتجاوز 8 % في مخصصات دعم السلع التموينية، فقد خصصت الحكومة 4.68 مليار دولار لدعم السلع التموينية، مقابل 5.3 مليار دولار، تمثل الإنفاق الفعلي المتوقع على دعم السلع التموينية بنهاية العام المالي الحالي في 30 يونيو القادم.
تراجع موارد النقد الأجنبي
وعن موارد النقد الأجنبي سواء؛ من العاملين بالخارج، والسياحة، والصادرات، وقناة السويس، أكد أنها تراجعت ويضاف إليها "التفريط في ثروات مصر البترولية في شرق المتوسط لصالح دول أجنبية، والمحجرية والمنجمية لصالح الجيش، مع غياب مبادئ الشفافية والمحاسبة والمساءلة وإبعاد الكفاءات الوطنية".
وكتبت "بي بي سي" أن "الارتفاع في الأسعار ما هو إلا عرَض للأزمة التي يواجهها الاقتصاد المصري مؤخرا، ما بين تضخم وتراجع في أسعار العملة وارتفاع أسعار الفائدة وتأثير الحرب الروسية الأوكرانية. وتساءلت، كيف يتعامل المواطن المصري مع استمرار ارتفاع الأسعار؟".
الحل
ورأى الباحث أن الحل لأزمة مصر الاقتصادية المزمنة هو مصالحة وطنية والإفراج عن المعتقلين، وتعويض الضحايا".
ومن ثم البدء بحكومة تكنوقراط لضبط الأداء الاقتصادي، وإعطاء الأولوية للمشاريع الإنتاجية، وتغليب مبادئ الشفافية والمحاسبة في كل الوزارات والاتفاق على نظام سياسي جديد بكل معنى الكلمة".

