في ظل السياسات الاقتصادية المتعثرة لنظام رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، يواجه القطاع الصحي المصري أزمة حادة تهدد بتفاقم نقص الأطباء والممرضين، مما يضع مستقبل الرعاية الصحية في البلاد على المحك. مع تدني الأجور وانعدام الحوافز، يدفع الواقع الاقتصادي الصعب عددًا متزايدًا من الكوادر الطبية إلى الهجرة بحثًا عن ظروف معيشية أفضل، تاركين خلفهم منظومة صحية تعاني من الإهمال الحكومي ونقص التمويل وسوء الإدارة. تفاقم الأزمة وتداعيات السياسات الحكومية على الرعاية الصحية يُنظر إلى أزمة نقص الكوادر الطبية في مصر كواحدة من تجليات السياسات الاقتصادية الفاشلة للحكومة، التي لطالما أهملت توفير احتياجات القطاع الصحي. ويشير الأطباء والممرضون إلى تدني الأجور كعامل رئيسي يدفعهم للبحث عن فرص عمل في الخارج أو الانتقال إلى القطاع الخاص، حيث تتوفر بيئة عمل أفضل وظروف معيشية أكثر كرامة. فرغم تزايد احتياجات القطاع الصحي، تجاهل النظام الحالي توفير رواتب مجزية أو استثمارات كافية لتحسين جودة الرعاية الصحية، ما أدى إلى تضاعف الضغط على الكوادر الطبية المتبقية. تشير كوثر محمود، نقيبة التمريض، إلى عجز يقدر بنحو 75 ألف ممرض، ويتوقع أن يتضاعف هذا العجز مع تفعيل منظومة التأمين الصحي الشامل. وبرغم تحذيرات النقابات المتكررة من تدهور أوضاع التمريض، لم تتخذ الحكومة خطوات جادة لتحسين الأجور أو توفير بيئة عمل لائقة، بل تواصل تحميل العاملين مسؤولية سد العجز في النظام الصحي. تأثير نقص الأطباء والممرضين على المستشفيات الحكومية أصبحت المستشفيات الحكومية في مصر مثالاً حيًا للتحديات التي تعاني منها البلاد بسبب السياسات المتبعة، حيث يؤدي نقص الأطباء والممرضين إلى انهيار جودة الخدمات الصحية. ويتزايد الضغط على الأطباء والممرضين، الذين يعملون في ظل نقص حاد في التجهيزات وتدهور البنية التحتية، بينما تكتفي الحكومة بإجراءات شكلية ودعوات لتحمل "الوضع القائم". وبدلاً من توجيه الدعم المالي والاستثماري لقطاع الصحة، اختارت الحكومة توجيه الموارد لمشاريع عملاقة تفتقر إلى الأولويات الاجتماعية، تاركة خلفها قطاعًا صحيًا يعاني من التردي والإهمال. نقيب الأطباء عبد المنعم فوزي أوضح أن النقص في العاملين بالمستشفيات يعود إلى الفشل في توفير حوافز وتدريب متطور للطواقم الطبية، معتبراً أن هذا العجز يؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين، ويزيد من أعباء العاملين الذين باتوا غير قادرين على تلبية متطلبات المرضى. وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع البلاد إلى كارثة صحية، خاصةً مع تزايد طلب الهجرة بين الأطباء والممرضين الشباب الذين فقدوا الأمل في التحسن. هجرة الكوادر الطبية: نتيجة مباشرة لإهمال الحكومة أصبحت الهجرة الملاذ الأخير للكوادر الطبية، حيث يستقبل العديد من دول الخليج وأوروبا وأمريكا الأطباء والممرضين المصريين برواتب أعلى وامتيازات أفضل. وتستفيد هذه الدول من الكفاءات التي لم تجد في بلادها سوى التهميش. ومع ارتفاع معدلات الهجرة، تستمر الحكومة في تجاهل الأسباب الحقيقية التي تدفع هؤلاء الكوادر إلى الرحيل، مكتفية بتوجيه خطابات شكلية تتحدث عن أهمية القطاع الصحي دون خطوات ملموسة لرفع رواتبهم أو تحسين بيئة العمل. وتؤكد سهى مصطفى، نقيب التمريض بالإسكندرية، أن العديد من العاملين في التمريض يرون في الهجرة فرصتهم الوحيدة لتأمين حياة كريمة لهم ولعائلاتهم. وتضيف أن السبب الرئيسي وراء الهجرة المتزايدة هو عدم وجود سياسة حكومية لتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للكوادر الطبية في مصر، بل العكس، إذ تعمل الحكومة على تشديد الإجراءات والتقييد على المطالبات النقابية التي تطالب بحقوق عادلة للعاملين في الصحة. ضعف السياسات الحكومية في تعزيز القطاع الصحي وفي الوقت الذي تتزايد فيه الأزمة، تعكس ردود أفعال الحكومة تجاه مطالب تحسين ظروف العمل ضعفًا واضحًا في الإرادة السياسية لإصلاح القطاع الصحي. ويشير خبراء إلى أن نظام التكليف الإجباري الذي تفرضه الحكومة على خريجي الكليات الطبية للعمل في المستشفيات الحكومية أصبح أداة لاستغلال الكوادر الطبية دون توفير المقابل المناسب. عضو مجلس النواب سارة النحاس انتقدت نهج الحكومة في إدارة الأزمة، معتبرةً أن الاكتفاء بنظام التكليف الإجباري لن يحل مشكلة نقص الأطباء والممرضين ما لم تترافق هذه الخطوة مع تحسين في الأجور وظروف العمل. وترى النحاس أن الحكومة تحتاج إلى وضع خطط واقعية لتحفيز خريجي التمريض والأطباء للعمل داخل البلاد، عوضاً عن إجبارهم على مواجهة ظروف عمل سيئة لا توفر لهم أدنى متطلبات الحياة الكريمة.
تدهور التعليم الطبي والتمريضي وتأثيره على القطاع الصحي لا تقتصر الأزمة على نقص الكوادر الطبية، بل تمتد إلى تدهور مستوى التعليم الطبي والتمريضي، حيث تعاني كليات الطب والتمريض من نقص في الدعم الحكومي وضعف في مستوى التدريس. ويعزو مراقبون هذا التراجع إلى غياب سياسات واضحة لتطوير التعليم الطبي، وتركز الجامعات على تحقيق أرقام خريجين دون التركيز على جودة التعليم. رئيس قسم الموارد البشرية في إحدى المؤسسات الصحية، أحمد بدر، أكد أن تطوير التعليم الطبي أصبح ضرورة ملحة، لكن الحكومة لا تبدو مهتمة بالاستثمار في هذا القطاع. وأضاف بدر أن زيادة عدد خريجي كليات الطب والتمريض دون توفير تدريب عالي المستوى سيؤدي إلى دخول كوادر غير مؤهلة بشكل كافٍ إلى سوق العمل، ما يضعف القطاع الصحي ويزيد من مخاطر سوء الرعاية الصحية للمواطنين. مستقبل مظلم للقطاع الصحي في ظل استمرار السياسات الحالية مع تفاقم الأزمات المتتالية في القطاع الصحي، تتزايد المخاوف من دخول مصر في أزمة صحية أعمق، حيث تواصل الحكومة تهميش القطاع وترفض توفير بيئة عمل ملائمة أو تحسين الأجور. إن السياسات التي ينتهجها النظام الحالي، والتي تركز على مشروعات غير ملحة وتهميش الأولويات الاجتماعية، تهدد بشكل مباشر استقرار القطاع الصحي وتعرض حياة المواطنين للخطر. في ظل هذه الظروف، يبقى مستقبل الكوادر الطبية في مصر محفوفًا بالمخاطر، مع استمرار فقدان الأمل في تحسين الأوضاع، وتزايد معدلات الهجرة، وتفاقم العجز في أعداد الأطباء والممرضين. وتبدو الحاجة ملحة إلى تبني سياسات جديدة تهدف إلى تحسين أوضاع العاملين في الصحة، وتوجيه الدعم إلى القطاع الطبي، لضمان استمرارية الخدمة الصحية وجودتها في مصر.

