في الوقت الذي تتوالى فيه الأزمات الإنسانية على غزة، تستمر بعض الدول العربية بإقامة فعاليات ومهرجانات ترفيهية تصرف فيها مليارات الدولارات، وكأنّها تعيش في عالمٍ موازٍ لا تُسمع فيه آهات الفلسطينيين ولا تُرى معاناتهم.
من مهرجانات الجونة في مصر إلى موسم الرياض في السعودية، تُنفق الملايين على استعراضات الترفيه والبذخ، في الوقت الذي يواجه فيه سكان غزة حياة قاسية بين الدمار، والفقر، والحصار، حتى باتت كلمات "العروبة" و"الإنسانية" تبدو كعبارات جوفاء بلا معنى حقيقي.
مهرجانات المليارات: تناقض صارخ مع معاناة غزة
مع انطلاق فعاليات موسم الرياض، أُعلِن عن حفلات وعروض ضخمة تُقام بمشاركة أشهر الفنانين العالميين والعرب، وسط ميزانيات ضخمة خصصت لهذا الموسم.
يُقدر أن تكلفة بعض الفعاليات في هذا الموسم تتجاوز عشرات الملايين من الدولارات، لتصبح هذه الأموال مصدر إبهار لمن حضروا ومصدر تساؤل لمن يتابعون عن بُعد، وخاصة الفلسطينيين المحاصرين في غزة، الذين يعيشون في ظروف لا تليق بكرامة البشر.
فكيف يُعقل أن تُصرف هذه الأموال الطائلة في وقتٍ يُحاصر فيه الشعب الفلسطيني ويعاني من نقص في الغذاء والدواء والمياه النقية؟
كذلك، أُقيم مهرجان الجونة السينمائي، الذي يُعتبر من أكبر الفعاليات الفنية في مصر والمنطقة، واستقطب شخصيات فنية وإعلامية من مختلف أنحاء العالم.
ويتطلب هذا الحدث تجهيزات ضخمة وميزانيات طائلة تُنفق على الإعداد والضيافة والعروض الفاخرة. وفي الوقت الذي تُسلط فيه الأضواء على السجادة الحمراء، تبقى غزة في عتمة مستمرة نتيجة تدمير البنية التحتية وندرة مصادر الطاقة، إذ يعيش أهلها تحت وطأة انقطاع متكرر للتيار الكهربائي يصل إلى ما يقارب 20 ساعة يومياً.
أهل غزة بين صمود تحت النيران وعرب غارقون في الترفيه
بينما يواصل الفلسطينيون صمودهم على مدار الساعة في مواجهة القصف المتكرر، يعيشون تحت حصار اقتصادي مستمر أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، حتى أصبح توفير لقمة العيش اليومية تحديًا حقيقياً.
تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 70% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية، التي بالكاد تفي بمتطلبات الحياة الأساسية.
وفي الوقت ذاته، يقضي العديد من أبناء العالم العربي وقتهم في حضور حفلات الموسيقى، والاحتفال بأضخم المهرجانات التي تُخصص لها ميزانيات تكفي لإطعام الآلاف من الأسر المحاصرة.
ما يزيد من تعقيد الصورة هو غياب الأصوات العربية الرسمية التي تُندد بهذه المفارقة القاسية.
في الماضي، كانت القضية الفلسطينية تُشكل حجر الزاوية في سياسات الدول العربية، وكانت مشاعر التضامن مع الشعب الفلسطيني حاضرة وبقوة.
لكن اليوم، يبدو أن مفهوم "العروبة" قد تغير أو ربما فقد مضمونه أمام متطلبات العصر الجديد من ترفيه ومظاهر الرفاهية.
التغيير في الأولويات وتغييب القضايا الإنسانية
لا يمكن التغاضي عن أن الأولويات في العالم العربي قد تغيرت بشكل جذري، إذ تحولت بعض الدول إلى وجهات سياحية، حيث تُبذل جهود ضخمة لإقامة الفعاليات الثقافية والفنية، في مسعى لتعزيز السياحة والترفيه كجزء من الاقتصاد.
ومع أن هذا التحول قد يبدو مشروعاً من منظور التنمية الاقتصادية، إلا أن توقيته يأتي في مرحلة دقيقة تتعرض فيها دول عربية لأزمات داخلية وخارجية، مما يجعل من الواجب مراجعة سياسات الصرف والتأكيد على إيلاء القضايا الإنسانية اهتماماً أكبر.
فالعالم اليوم يشهد تناقضاً صارخاً؛ ففي حين ينشغل العالم بمبادرات لدعم اللاجئين وضحايا النزاعات المسلحة، نجد الدول العربية تركز جهودها ومواردها على أنشطة الترفيه، مما يعكس تحوّلًا في منظومة القيم والأولويات.
وبعيداً عن الأزمات السياسية، تبقى غزة، وهي جزء من الجسد العربي، في مواجهة تحديات الوجود الأساسية، بينما يُخصص للعروض الترفيهية والمهرجانات ما يكفي لبناء عشرات المستشفيات أو المدارس أو حتى لإعادة إعمار جزء كبير من غزة التي تعرضت للبنى التحتية فيها لتدمير شبه كامل.
أين اختفى الضمير العربي؟
بينما يتساءل العالم عن أسباب الصمت العربي تجاه معاناة الفلسطينيين، لا يمكن تجاهل حقيقة أن هذا الصمت يمثل استجابة غير مبررة، خاصةً في وقت تتزايد فيه دعوات المنظمات الدولية للتضامن مع الفلسطينيين ورفع الحصار عن غزة.
غابت الأصوات العربية المطالبة بدعم غزة، بل إن التبرعات التي كانت تأتيها من الشعوب والمؤسسات العربية قد انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة.
رسالة من أهل غزة: نحن لا نريد ترفيهكم بل تضامنكم
الرسالة التي يرسلها أهل غزة للعالم العربي اليوم واضحة وصريحة؛ "لسنا بحاجة إلى مهرجانات ولا إلى حفلات ولا إلى عروض ترفيهية، نحن بحاجة إلى وقوفكم إلى جانبنا، إلى دعمكم المادي والمعنوي، نحن بحاجة إلى كسر الحصار والعيش بكرامة".
ومن المخجل أن يُقال إن الشعب الفلسطيني الذي قاوم الاحتلال لعقود، يواجه اليوم تخلّيًا من بعض أبناء أمته الذين انشغلوا في ترفيههم ونسوا أواصر العروبة والإنسانية التي لطالما جمعت الشعوب العربية.
ختاماً: التضامن أساس العروبة والإنسانية
في الوقت الذي تزداد فيه معاناة أهل غزة، باتت الحاجة مُلحّة لإعادة تقييم أولويات المجتمعات العربية وإحياء قيم التضامن التي لا تُعبر فقط عن العروبة بل عن الإنسانية.
ولا شك أن المبالغة في مظاهر الترفيه والاحتفال على حساب القضايا الإنسانية يُفقد العرب جزءاً كبيراً من هويتهم ويشوّه الصورة التي طالما تميزوا بها أمام العالم.
ربما حان الوقت للوقوف مع الذات، وإعادة النظر في كيفية توزيع الموارد، وتوجيه جزء منها لمن هم في أمس الحاجة إليها.
ففي نهاية المطاف، ستظل الشعوب العربية قوية بوقوفها إلى جانب قضاياها العادلة، وستبقى الإنسانية هي القاسم المشترك الذي يجمع العرب على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم.

