تعيش أسواق اللحوم حالة من الفوضى العارمة تعكس التحديات الاقتصادية المتفاقمة التي تواجه البلاد.
ويتراوح تأثير الأزمة بين ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القدرة الشرائية، مما يدفع آلاف الجزارين للخروج من صناعة تعد ركيزة أساسية لملايين المصريين، بداية من المنتجين وحتى المستهلكين.
 

التباين الكبير في الأسعار
   تشهد أسعار اللحوم الحمراء تباينًا صارخًا بين منافذ التوزيع المختلفة.
في المنافذ الحكومية التابعة لوزارات الدفاع والداخلية والتموين، تُباع اللحوم بأسعار تتراوح بين 280 و380 جنيهًا للكيلو.
في المقابل، تُعرض اللحوم في الأسواق الشعبية بأسعار تبدأ من 220 جنيهًا وتصل إلى 480 جنيهًا، بينما يبلغ متوسط الأسعار في المتاجر الكبرى نحو 500 جنيه.
هذا التباين يعكس تفاوت تكلفة الإنتاج وطريقة التوزيع بين القطاعين العام والخاص.
 

التأثير على المستهلكين
   باتت الأسر تواجه ضغوطًا متزايدة لتدبير احتياجاتها الأساسية، مع اضطرارها للتكيف مع ارتفاع الأسعار.
السيدة "روحية"، المقيمة في منطقة هضبة الأهرامات، مثال حي لهذا التحدي، وجدت في عروض منافذ القوات المسلحة مخرجًا لتوفير اللحوم بأسعار أقل مقارنة بالسوق الحر، ورغم اضطرارها لشراء اللحوم بمشتملاتها من عظم ودهون، إلا أن ذلك يُعد خيارًا مقبولًا في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
 

الطبقة الوسطى على حافة الفقر
   
أظهرت دراسات ميدانية انخفاضًا كبيرًا في استهلاك اللحوم الحمراء والبيضاء بنسبة تتراوح بين 30% و70% خلال العامين الأخيرين.
محمد عطية، موظف في إحدى الشركات العامة، يشير إلى أنه لم يشترِ اللحوم الحمراء منذ ستة أشهر، مضيفًا أن راتبه الذي يبلغ 10,000 جنيه شهريًا بالكاد يغطي النفقات الأساسية مثل دفع فواتير المياه والكهرباء والانترنت والعلاج الشهري وتعليم ابنيه بالمراحل التعليمية العليا والمتوسطة.
 

أزمة الجزارين والمربين
   
يواجه الجزارون صعوبات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الإيجار والضرائب والمرافق.
وبحسب هيثم عبد الباسط، رئيس شعبة القصابين بالغرفة التجارية في القاهرة، فإن 15% من الجزارين يغادرون السوق سنويًا بسبب عدم تحقيقهم هوامش ربحية كافية.
ومن جهة أخرى، يعاني مربو الماشية من ارتفاع تكاليف الأعلاف ونقص الدعم الحكومي، مما يهدد استدامة الصناعة.
 

الاستيراد.. الحل أم المشكلة؟
   تعتمد مصر على استيراد 95% من احتياجاتها من اللحوم الحمراء.
الجهات السيادية تستورد اللحوم من السودان وجيبوتي بأسعار منخفضة، بينما يواجه الجزارون صعوبة في المنافسة نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والرعاية.
هذا التوجه يُفاقم الأعباء على الاقتصاد المحلي ويضع الصناعة الوطنية في موقف حرج.
 

المخاطر الصحية والتلاعب في السوق
   
حذر هيثم عبد الباسط رئيس شعبة القصابين بالغرفة التجارية في القاهرة، من تجاهل المسؤولين مشاكل الجزارين ومربي الماشية، وتفضيلهم الاستيراد، الذي يكلف البلاد العملة الصعبة دون أن يحل مشكلة نقص اللحوم والأعلاف بصفة دائمة.
مبينا أن تجاهل الحلول سمح للمغامرين وأصحاب الثروات المشبوهة بالتلاعب في سوق اللحوم، بعرض منتجات مستوردة مجمدة، على أنها طازجة وأخرى لتجميع المواشي المصابة بالأمراض والحوادث، لبيعها بأسعار رخيصة لا تزيد عن 220 جنيهاً للكيلو، بما يهدد صحة المواطنين ويفسد الصناعة الشعبية التي يعمل بها ملايين الأسر.
 

مؤشرات اقتصادية مقلقة
   
بلغ معدل التضخم في أسعار المستهلكين 25.5% في نوفمبر 2024، مع تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار ليصل إلى 51 جنيهًا. هذا التدهور يضغط بشدة على الأسعار المحلية ويزيد من صعوبة تحقيق استقرار اقتصادي.
ورغم محاولات حكومة السيسي لخفض التضخم إلى 9% بحلول منتصف 2025، يرى الخبراء أن هذا الهدف بعيد المنال في ظل التحديات الراهنة.