في مشهد جديد يعكس تصاعد الانتهاكات الأمنية ضد أهالي ضحايا التعذيب داخل مقار الاحتجاز، تحوّلت المطالبة بالقصاص والعدالة إلى جريمة تُعاقَب بالضرب والاختفاء القسري، في واقعة أثارت غضبًا واسعًا ومخاوف جدية على حياة أحد المواطنين بمحافظة الغربية.
فبعد أقل من ثلاثة أشهر على وفاة المواطن خليل أبو هبة نتيجة تعذيب مميت داخل حجز قسم شرطة ثالث المحلة، شهدت المدينة تطورًا بالغ الخطورة، تمثل في توقيف خاله، المواطن محمد فهمي عبد الخالق عطا، والاعتداء عليه بالضرب والسب أمام طفله الصغير، قبل إخفائه قسرًا في ظروف غامضة، في ما اعتبره حقوقيون محاولة انتقامية لإسكات كل من يطالب بالحقيقة.
وفاة تحت التعذيب… وبداية مسلسل الانتقام
تعود جذور الواقعة إلى يوم 8 أكتوبر الماضي، حين لفظ المواطن خليل أبو هبة أنفاسه بعد أقل من ساعتين فقط من دخوله حجز قسم شرطة ثالث المحلة، إثر تعرضه لتعذيب وُصف بالمميت، على يد النقيب أحمد رفعت الصعيدي، معاون المباحث، وآخرين من أفراد القوة، وفقًا لشهادات ومعلومات متداولة.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف أسرة الضحية وأقاربه عن المطالبة بمحاسبة المسؤولين وكشف ملابسات الجريمة، وهو ما يبدو أنه وضعهم في دائرة الاستهداف الأمني، في سياق سياسة متكررة تهدف إلى ردع أهالي الضحايا وإجبارهم على الصمت.
توقيف عنيف أمام طفل في الشارع
في مساء يوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025، قرابة الساعة الثامنة والنصف، وأثناء تواجد المواطن محمد عطا (52 عامًا)، خال الضحية، برفقة نجله البالغ من العمر 10 سنوات، بشارع البساينة أمام محل “البطل للأجهزة” بمدينة المحلة، فوجئ بقوة أمنية بملابس مدنية تقوم بتوقيفه.
وبحسب شهود عيان، تطورت عملية التوقيف سريعًا إلى مشادة، أعقبها اعتداء بالضرب والسب العلني، وسط دهشة المارة، وأمام الطفل الذي شاهد والده يتعرض للإهانة والاعتداء البدني، ما تسبب له في حالة من الذعر والبكاء الهستيري.
طمس الأدلة والضغط على الشهود
لم يقتصر الأمر على الاعتداء، بل شرع أفراد القوة في تهديد أصحاب المحال التجارية المجاورة، والضغط عليهم للحصول على تسجيلات كاميرات المراقبة التي وثّقت لحظة القبض والاعتداء، في محاولة واضحة لطمس الأدلة ومنع توثيق الواقعة.
ورغم حالة الغضب الشعبي في المكان، استدعت القوة سيارة شرطة من قسم المحلة ثان، وتم اقتياد محمد عطا إلى القسم، فيما تسلمت أسرته الطفل الصغير، الذي ظل في حالة نفسية سيئة بعد ما شاهده.
إنكار رسمي واختفاء غامض
عقب احتجازه، أفادت معلومات بتعرض محمد عطا للاعتداء بالضرب داخل القسم. إلا أن الصدمة الكبرى تمثلت في إنكار إدارة قسم شرطة المحلة ثان وجوده من الأساس، وعدم تسجيل اسمه في دفاتر الاحتجاز.
ومع إلحاح الأسرة والسؤال المتكرر عن مصيره، أبلغهم أحد أفراد الأمن – بعد إنكار طويل – أنه جرى ترحيله إلى الإسكندرية لتنفيذ حكم في قضية تزوير صادرة منذ 13 عامًا، في رواية أثارت شكوكًا واسعة، خاصة أن المواطن لم يُخطر أو يُستدعَ أو يُسأل طوال هذه السنوات عن تلك القضية المزعومة.
سمعة طيبة ومخاوف حقيقية
يعرف سكان المحلة محمد عطا باعتباره شخصًا حسن السمعة، يعمل في تجارة السيارات، وله علاقات واسعة ومحل إقامة وعمل ثابتان، ولم يسبق أن تهرب أو اختفى عن الأنظار.
ومع استمرار الغموض، تلقت الأسرة أنباء متضاربة حول وجوده ضمن ترحيلات طنطا، وأخرى تشير إلى ترحيله إلى البحيرة، دون تأكيد رسمي، بينما لا يزال مكان احتجازه مجهولًا حتى الآن، ما يثير مخاوف جدية على حياته، خاصة في ظل المصير المأساوي الذي لقيه خليل أبو هبة قبل أشهر قليلة.
نمط متكرر من التنكيل
أدانت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان ما وصفته بـ«سياسة البطش والتنكيل» التي يمارسها أفراد أمن متهمون بالتعذيب، عبر تلفيق القضايا والتهديد بها لإجبار أهالي الضحايا والشهود على الصمت، مشيرة إلى وقائع مشابهة، من بينها ما جرى مع شقيق محمود ميكا ضحية التعذيب بقسم الخليفة، وكذلك حالات أخرى في إدفو بمحافظة أسوان.
وأكدت الشبكة أن ما يحدث ليس وقائع فردية، بل نهجًا ممنهجًا يستهدف حماية الجناة والتستر على الجرائم، بدلًا من محاسبتهم وفقًا للقانون.
جرائم لا تسقط بالتقادم
وشددت الشبكة المصرية على أن سياسة وزارة الداخلية في حماية المتورطين في انتهاكات جسيمة وجرائم موثقة لن تدوم، مؤكدة أن جرائم التعذيب والاختفاء القسري لا تسقط بالتقادم، وستظل وصمة عار تطارد مرتكبيها وكل من شارك في التغطية عليها أو سعى لإسكات الضحايا وأسرهم.
وفي ظل الصمت الرسمي، تتصاعد المطالب الحقوقية بالكشف الفوري عن مكان احتجاز محمد عطا، وضمان سلامته، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في واقعة الاعتداء عليه، وفي جريمة مقتل خليل أبو هبة، باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لاحترام القانون وحقوق الإنسان.

