تخيّم حالة من الرعب على قرية صغيرة بمحافظة المنوفية، بعدما بدأت أسرٌ كاملة تلاحظ تدهورًا متسارعًا في صحة أبنائها، وانتشارًا مريبًا لأعراض وأمراض خبيثة، وسط صمت حكومي مريب وتطمينات جوفاء صادرة عن المسؤولين.

 

فبينما تتحدث وزارة الصحة عن "معدلات طبيعية" ونتائج مطمئنة، يرى الأهالي أن الحكومة لا تملك سوى البيانات الورقية التي تخفي وراءها حقيقة تفشٍّ غامض لمرض السرطان يهدد حياة آلاف المواطنين، في ظل مياه ملوثة ومحاصيل يشتبه في احتوائها على سموم قاتلة، وبنية صحية متهالكة تفتقر لأبسط أدوات الكشف المبكر أو الوقاية البيئية.

 

ما بين تحقيقات شكلية ولجان تفتيش دعائية، يجد المواطن نفسه محاصرًا بين مرضٍ لا يُعرف سببه ووزارات تتقاذف المسؤولية، لتتحول مأساة القرية إلى مرآة للانهيار الكامل في إدارة الدولة لملف صحة الريف المصري.

 

أرقام مضللة.. والحقيقة في شكاوى الناس

 

أعلنت مديرية الصحة بالمنوفية أن القرية التي تضم نحو 24.5 ألف نسمة تخضع لمبادرات الكشف المبكر عن الأورام، مشيرة إلى أنه تم فحص 14 ألف مواطن، أُحيل 517 منهم للفحوصات المتقدمة، وتبيّن إصابة 7 فقط بأورام متنوعة.

 

لكن خلف هذه الأرقام، تتفجر روايات المواطنين التي تسخر من بيانات "الأمان الحكومي"، مؤكدين أن هناك عشرات الحالات التي خضعت للعلاج خلال السنوات الأخيرة دون أن تُسجّل رسميًا، وأن العديد من الأسر فقدت أكثر من فرد بسبب أمراض غامضة تتشابه في أعراضها مع السرطان.

 

يقول أحد أهالي القرية ويدعى عبد الله عبد الرحمن: "ابن عمي توفي بسرطان الكبد، وبعده بشهر جارنا توفي بورم في المعدة، والمستشفى في المدينة رفضت تسجيل الحالات ضمن أي رصد إحصائي."
ويضيف آخر: "كل سنة بنسمع عن لجان من المحافظة تيجي تاخد عينات، وبعدها التليفزيونات تقول كل حاجة تمام، لكن الناس بتموت واحدة واحدة."

 

الحكومة، كالعادة، تُنكر وجود مشكلة وتلوّح بـ"نتائج المعامل"، لكنها لا تجرؤ على الإعلان عن تقرير بيئي شفاف ومستقل من جهة رقابية خارج وزارة الصحة، رغم مطالبات الأهالي المتكررة. وهذا التعتيم المتواصل يؤكد أن الدولة تخاف من الحقيقة أكثر من خوفها على حياة الناس.

 

مياه ومحاصيل مشبوهة.. والدولة تكتفي بالطمأنة

 

عقب تصاعد الشكوك حول تلوث المياه، أعلنت لجنة من الطب الوقائي وقطاع صحة البيئة عن سحب عينات من محطة مياه الشرب، وزعمت أن النتائج مطابقة للمواصفات وصالحة للاستخدام الآدمي.

 

لكن هذه اللجان، بحسب خبراء بيئة، لا تقوم إلا بإجراء تحاليل محدودة، لا تكتشف العناصر المسرطنة أو المعادن الثقيلة كالزرنيخ والرصاص والكادميوم، التي تُعد السبب الأول لارتفاع معدلات الإصابة بالأورام في القرى المحاطة بالصرف الصناعي أو الزراعي.

 

في المقابل، تجاهلت السلطات اتهامات الأهالي بأن شبكة الصرف الصحي بالقرية متهالكة وتختلط أحيانًا بمياه الشرب، وأن المحاصيل تُروى بمياه ترعٍ ملوثة بمخلفات المصانع القريبة.

 

يقول المزارع محمد سلامة: “الأرض بقت مسممة، الزرع أصفر، والمياه ليها طعم غريب، لكن محدش بيهتم، كل حاجة عندهم ماشية كويس على الورق.”

 

وبرغم أن مديرية الصحة حررت 26 محضر مخالفة وأغلقت 12 منشأة، لم تعلن أسماء هذه المنشآت ولا طبيعتها، ما يرجّح أن الهدف من الإعلان صورة إعلامية لطمأنة الرأي العام لا أكثر.

 

بينما يتساءل الأهالي: كيف تكون المياه سليمة وعدد المصابين بالأورام يتزايد بهذا الشكل؟ ومن أين جاء هذا التفشي لو كانت المنظومة البيئية تعمل فعلاً كما تزعم الحكومة؟

 

تفشٍّ يذكّر بقرى الموت.. والإصلاح غائب

 

ما يحدث في قرية المنوفية اليوم ليس جديدًا على المصريين. ففي محافظات سوهاج والفيوم وكفر الشيخ، سُجلت في السنوات الأخيرة معدلات مرتفعة من أمراض الكبد والفشل الكلوي والأورام، بسبب التلوث المزمن لمياه الشرب ومصارف الري، وسط تجاهل رسمي متكرر.

 

في عام 2024 مثلاً، أظهر تقرير بيئي – تم التعتيم عليه – أن نسب النيتريت والرصاص في مياه بعض القرى تجاوزت الحدود الآمنة بثلاث إلى خمس مرات، لكن وزارة البيئة التزمت الصمت بحجة “عدم إثارة البلبلة”.

 

أما في العام التالي، فشهدت قرى في الشرقية والبحيرة حملات دعائية لما سمّي “الكشف عن الأورام والمبادرات الصحية”، دون أي معالجة لأصل الكارثة: البيئة الموبوءة والأرض الملوثة.

 

إن الدولة التي تُنفق المليارات على المشروعات الاستعراضية وترفع شعار “100 مليون صحة” عاجزة عن حماية 24 ألف مواطن في قرية واحدة من مياه مجهولة المصدر.

 

وهنا تكمن المفارقة الموجعة: الحكومة تقيم المؤتمرات الطبية وتصدر البيانات الورقية، بينما يفقد الناس حياتهم بصمت، في بيوتٍ تخنقها الأمراض والقلق والخوف من كل كوب ماء.

 

إن ما يصفه المسؤولون بـ"الإشاعات" ليس سوى صرخة من قلب الريف المصري الذي يدفع ثمن عقود من الإهمال. فالحقيقة المؤكدة ليست كاملة بعد، لكنها تُلمَح في وجوه المرضى، وفي جراكن المياه التي تغيّر لونها، وفي أراضٍ تُنبت المرض بدل الخير.

 

وإلى أن تتحرك الدولة بجدية، سيظل السرطان العدوّ الصامت الذي يحصد أرواح المصريين تحت ستار صمت حكومي مخزٍ وعمليات تجميل إعلامية مكرّرة.