"يا باشمهندس، البرد بينهش في عظمنا، اعملوا حاجة"، كانت هذه الكلمات جزءًا من رسالة المعتقل السياسى محمود عبد المجيد صالح (46 عامًا)، الى احد اصدقائه قبيل ايام من وفاته فى مثل هذا اليوم الرابع من يناير 2020 ,نتيجة البرد الشديد داخل محبسه بسجن العقرب شديد الحراسة 1 (قبيل اغلاقه) وحرمانه وغيره المئات من المعتقلين السياسين لاأنى مقومات الحياة.

 

يقول صديقه في شهادته: "محمود صالح، قبل وفاته بأيام قليله، كان قد أرسل لي رسالة يقول فيها إنه وغيره من مئات معتقلي سجن العقرب يموتون من شدة البرد وقلة الأغطية ولظروف الاعتقال المزرية".

 

أداة عقاب قاسية

 

وبحسب الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وغيرها من المنظمات المصرية والدولية، فإن السجون تتحول ببرودة الشتاء وظروف الاحتجاز القاسية إلى أداة عقاب قاسية، يُحرم خلالها المعتقلون السياسيون من أبسط حقوقهم الإنسانية من الأغطية والملابس التي تحميهم من بردٍ يفتك بالأرواح. 

 

خلف جدران مظلمة، ومع انعدام وسائل التدفئة، يتجمد المعتقلون في ظروف غير آدمية، حيث يصبح البرد القارس سلاحًا متعمدًا لإضعافهم نفسيًا وجسديًا، بتوجيه مباشر من جهاز الأمن الوطني الذي يدير السجون ومراكز الاحتجاز بقبضةٍ من حديد.

 

كان صالح، أحد ضحايا هذه السياسات الممنهجة. حيث لفظ أنفاسه الأخيرة داخل زنزانة باردة، لا يجد فيها ما يقيه قسوة الشتاء. لم تكن وفاته نتيجة الإهمال فحسب، بل كانت نتيجة لنظام يعتمد المعاناة كأسلوب ترهيب وعقاب.

 

وكشفت الشبكة المصرية كيف تحوّلت السجون المصرية إلى ساحات تعذيب خفية، حيث يُستخدم الحرمان من الدفء كسلاح صامت ينتهك كرامة الإنسان ويجرده من حقه الأساسي في الحياة، وتتزايد الإجراءات القمعية التي تُنفذها إدارات السجون بناءً على أوامر مباشرة من ضباط الأمن الوطني، الذين يُعدّون المسؤولين الفعليين عن إدارة شؤون المعتقلين السياسيين. 

 

وتشمل هذه الإجراءات حملات ممنهجة لتجريد المعتقلين من كافة مستلزماتهم الشخصية، بما في ذلك الأدوات الضرورية لمواجهة البرد القارس.

 

ففي فصل الشتاء، يعاني المعتقلون من سوء الأوضاع المناخية داخل الزنازين. وغالبًا ما يتم الاكتفاء بتوفير بطانية واحدة لكل معتقل، وقد يتم إجبار اثنين أو ثلاثة على مشاركتها. وتُفاقم حملات التجريد المستمرة الوضع، حيث يتم سحب الأغطية والملابس الثقيلة، مما يجعل المعتقلين عُرضة مباشرةً لدرجات الحرارة المنخفضة.

 

تفاقم معاناة المعتقلين

 

ووثّقت الشبكة المصرية، سوء التهوية وعدم وجود وسائل تدفئة، مما يزيد من معاناة المعتقلين، فيما يُضطر البعض إلى اللجوء لوسائل بدائية لتسخين المياه، مما يُعرضهم لمخاطر إضافية، فضلاً عن غياب المرافق الصحية التي يمكن أن تقيهم من الأمراض الناتجة عن البرد القارس.

 

وبعد أيم ققط من وفاة المعتقل محمود صالح في سجن العقرب بسبب البرد الشديد في 4 يناير 2020، توفي المعتقل علاء الدين سعد (56 عامًا) 8 يناير 2020 داخل محبسه بسجن برج العرب نتيجة إصابته بنزلة برد حادة، وسط تجاهل إدارة السجن للمناشدات التي أطلقها زملاؤه طلباً للرعاية الطبية.

 

سياسات منهجية للتصفية


ووثّقت الشبكة المصرية تعمّد إدارات السجون وضع أعداد كبيرة من المعتقلين في ما يُعرف بـ”غرف التأديب” خلال فصل الشتاء، مشيرة إلى أن هذه الزنازين تُعرف بشدة البرودة، وانعدام أي مقومات للحياة فيها، مما يجعل المعتقلين يواجهون الموت البطيء تحت وطأة البرد والجوع.

تترافق هذه السياسات مع إجراءات أخرى مثل:

 

 • الحرمان من الزيارة والتريض.

 • إغلاق الكانتين أو رفع أسعاره بشكل مبالغ فيه.

 • منع وصول الأدوية، أو استبدالها بأدوية منخفضة الجودة أو قريبة من انتهاء الصلاحية.

 • حرمان المعتقلين من المياه النظيفة وأدوات النظافة الشخصية.

 • عدم تعريض المعتقلين للشمس، مما يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية وتفاقم الأمراض المزمنة.

 

انتهاك صارخ للالتزامات الدولية

 

واعتبرت الشبكة أن الامتناع عن توفير الملابس الثقيلة والأغطية اللازمة للسجناء، وبخاصة في فصل الشتاء، لا ينتهك فقط المواد الدستورية والقوانين الوطنية، بل يُعد انتهاكًا صارخًا للالتزامات الدولية التي وقّعت عليها مصر، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.

 

وقالت إن هذه الممارسات تُعد خرقًا لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من المعاهدات الدولية التي تضمن حقوق السجناء.
 .
وحثت الشبكة النيابة العامة على التدخل الفوري لتفتيش أماكن الاحتجاز والتأكد من توافر الاحتياجات الشتوية، إلزام وزارة الداخلية بتوفير الأغطية والملابس الثقيلة لجميع المحتجزين، وفقاً للمادة 56 من الدستور،  والالتزام بالقواعد الدولية التي تضمن معاملة إنسانية للسجناء وتوفير ظروف احتجاز مناسبة.