تحوّلت زيارة رئيس وزراء قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، مصطفى مدبولي إلى محافظة الأقصر، لتسليم عقود وحدات سكنية ضمن مشروع إسكان الشباب في مركز الطود، إلى مادة للسخرية والجدل العام، بعدما أظهرت صور وفيديوهات رسمية صادرة عن الحكومة نفسها أن غالبية من تسلّموا تلك الوحدات من كبار السن، وليسوا – كما روّجت البيانات – من “شباب الصعيد”.
لم يحتجّ الناس إلى بحث طويل أو عدسة معارضة لاكتشاف المفارقة؛ فالكاميرات الحكومية كفيلة بفضح الكوميديا البصرية التي جاءت بعنوان حكومي كبير هو “تمكين الشباب”، فيما الصفوف أمام مدبولي كانت تضم عشرات من أصحاب الشعر الأبيض والعصي الطبية، في مشهد يلخّص الواقع المصري: الشباب ينتظر، والزمن يمر، والبيروقراطية تسرق الأعمار.
وعود “الشباب” التي وصلت متأخرة
المشهد الذي أُريد له أن يكون احتفاليًا بدا أقرب إلى مشهد ساخر من عبث الانتظار. فمشروعات “إسكان الشباب” بدأت وُعودها قبل سنوات طويلة، ومع كل إعلان جديد تتكرّر الكلمات نفسها: “سكن كريم.. وفرص حياة كريمة للشباب”. لكن حين حانت لحظة التسليم في الطود، اكتشف الجمهور أن “الشباب” قد تجاوز مرحلة الزواج إلى مرحلة المعاش، وأن الوحدات لم تعد بيوتَ الأحلام بل شواهد على بطء الدولة.
اللافت أن الحكومة لم تكلّف نفسها عناء التوضيح، رغم أن اللقطات أطلقت مئات التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي: البعض تساءل هل أصبح تعريف “الشباب” في مصر يبدأ بعد الخمسين؟ وآخرون كتبوا أن المشروع نجح فعلًا في “تمكين الشباب”… ولكن بعد أن صاروا أجدادًا.
دعاية حكومية مكشوفة بدل كشف الحقائق
اختار مدبولي أن يحوّل التسليم إلى عرض أمام الكاميرات كعادة الحكومة التي تفضّل الصورة على المضمون، واللقطة على الإنجاز الحقيقي. لكن الصورة هذه المرة لم تخدم الرسالة، بل عرّتها. إذ بدت الوجوه التي تسلّمت العقود وكأنها لضحايا انتظار طويل لمشروع وُعدوا به منذ عقود الشباب الأولى، ولم يروا نتيجته إلا بعدما تجاوزتهم الفصول.
من المفترض أن كلمة “الشباب” في مشروعات الدولة تشير إلى الفئة العمرية القادرة على العمل وبناء المستقبل، لكن المشهد في الطود حوّل الكلمة إلى نكتة ثقيلة. لم يبدُ أحد ممن ظهروا في الصور قريبًا من تصوّر أي مشروع “مستقبلي”. البعض كان بالكاد يقف لتسلّم الأوراق، والبعض الآخر حرص فقط على مصافحة رئيس الوزراء أمام الكاميرا، في لحظة رمزية تُلخّص انفصال الدولة عن الواقع.
هل تأخّر المشروع.. أم هرِم الناس وهم ينتظرون؟
الجهات الرسمية اكتفت ببيان تقليدي تحدّث عن “نجاح الحكومة في تسليم الوحدات لمستحقيها”، دون أن توضح من هم هؤلاء، أو متى قُدمت طلباتهم، ولماذا غابت الفئة المستهدفة أصلًا من المشهد. ومع غياب الإجابات، أصبح التفسير الوحيد لدى الناس هو أن زمن وعود الحكومة أطول من عمر الشباب نفسه.
سياسيًا، يتحمّل مصطفى مدبولي مسؤولية هذا التناقض، لأنه اختار أن يصوّر الفعالية بوصفها دليلاً على “تمكين الشباب”، فإذا بها تُظهر فشل الدولة في الوفاء بوعودها في الوقت المناسب. فكيف يمكن لحكومة أن تتحدث عن “شباب الغد” وهي تسلّمهم المفاتيح بعد أن صار الغد ماضيًا بعيدًا؟
في النهاية، لم يكن المشهد في الأقصر مجرد خطأ إعلامي، بل انعكاس دقيق لسياسة كاملة تؤمن بالتجميل بدلاً من الإصلاح، وبالاستعراض بدلاً من الحلول. فحين يتحول مشروع إسكان الشباب إلى حفلة تسليم لكبار السن، فهذا لا يعني فقط أن الحكومة تأخرت، بل تُعلن—دون أن تدري—أنها شيّخت الشباب قبل أن تمنحهم سكنهم.

