فراس أبو هلال
رئيس تحرير صحيفة عربي 21 الإلكترونية وباحث في شئون الشرق الأوسط
لا يمكن قراءة التوترات التي تشهدها منطقة الخليج العربي وتمظهرها الرئيسي المتعلق بـ"أزمة اليمن"، دون توسيع الصورة ووضعها في سياق الصراع الإقليمي على النفوذ في الشرق الأوسط. وإذا تم التعامل مع هذه الأزمة دون وضعها في سياقها العام فإنها قد تنتهي باتفاق الأطراف الرئيسية وهي السعودية والإمارات على حل وسط "مؤقت" يحقق مصالحهما الوطنية في اليمن، ولكن دون حل "الصراع" الإقليمي ككل، وهو ما سيعني إمكانية انفجارها مرة أخرى لأي سبب من الأسباب.
إن القراءة الشاملة للأزمة من قبل السعودية والتحرك وفق هذه القراءة، قد يجعلها مرشحة لقيادة تحالفات في العالم العربي، بالتعاون مع الدول الرئيسية في المنطقة، وأهمها مصر وتركيا، ولكن هذه القيادة تستدعي من الرياض استخدام كافة أوراق قوتها، والتعامل مع ملفات الأزمات في الشرق الأوسط جميعها بنفس السياسة غير "المحافظة" -ولكن المحسوبة- التي تعاملت فيها مع الأحداث في جنوب اليمن.
يبدو المحرك الرئيسي للتحول السعودي تجاه اليمن هو الإجراءات التي رأت فيها الرياض تثبيتا لانفصال جنوب اليمن، وتوسعا جغرافيا للمجلس الانتقالي "الجنوبي"، ما سيؤدي إلى إضعاف "الحكومة الشرعية" التي تدعمها السعودية -والإمارات كما هو معلن-، وتقوية الحوثيين الذين تعتبرهم السعودية ذراعا إيرانيا، كما أنها تتخوف من أن يؤدي هذا الانفصال لاشتعال صراعات عسكرية يمنية أكثر حدة على حدود السعودية.
تبدو هذه المخاوف محقة من وجهة النظر السعودية، ولكن تحقيق المصلحة الأوسع للرياض وللعرب عموما يتطلب التعامل مع المخاوف المشابهة لها في المنطقة العربية ككل، خصوصا في الدول المشاطئة للبحر الأحمر.
إن السياسة التي تنتهجها الإمارات في اليمن وأدت إلى التحركات السعودية الأخيرة هي في جوهرها تتماشى مع نسق تتبعه كل من الإمارات ودولة الاحتلال -وتشتركان فيه أحيانا- في أكثر من بلد عربي.
هذا الجوهر هو دعم تقسيم الدول، أو على الأقل تقسيم السلطة السياسية فيها، وهو ما نشهده ليس فقط باليمن، بل في السودان، وليبيا، والصومال، وفلسطين، وسوريا. أما العنصر الثاني من جوهر السياسة الإماراتية و"الإسرائيلية" فهو السيطرة على ممرات البحر الأحمر وموانئه، باعتباره واحدا من أهم طرق الملاحة الدولية.
تفرض الحقائق الجيوسياسية على السعودية أن ترى في تقسيم اليمن بقوة السلاح خطرا على أمنها القومي، ولكن نفس الحقائق يفترض أن تقلق الرياض من كل المشاريع الانفصالية في المنطقة العربية، إذ أن انقسام أي دولة عربية سيشجع الحركات الانفصالية الكامنة في غالبية الدول العربية، وهو ما سيضع كل دول المنطقة أمام مأزق حقيقي، إذ سيصبح المزيد من التقسيم هو الحال بدلا من تحقيق مشاريع وحدوية أو فوق-دولتية "Superpower " يطالب بها العرب منذ لحظة تأسيس دول ما بعد الاستعمار.
إذا تحققت مخاطر التقسيم وأصبح تقسيم اليمن والصومال محفزا للحركات الانفصالية في الدول العربية، فإنه سيؤدي إلى تحقيق هدف استراتيجي لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو إضعاف كل دول المنطقة عبر التقسيم والصراعات، وهو ما سيضمن بقاء "التفوق الاستراتيجي" لدولة الاحتلال، بمقابل دول ضعيفة ومقسمة.
إن هذه المخاطر يفترض أن تدفع السعودية والدول العربية الأخرى لمواجهتها بشكل شامل وموحد، لأن تهديد المصالح القومية العربية عبر مشاريع التقسيم سيكون موحدا وشاملا أيضا، ولذلك فهو يحتاج لمجهود وتحرك عربي إقليمي مشترك.
تحمل الأزمات أحيانا فرصا هائلة في داخلها، إذا استطاعت الدول التعامل معها في وقتها ومن خلال استراتيجية شاملة تدرك عناصر القوة والضعف، وهو ما يطرح تساؤلا حول إمكانية تحول "أزمة اليمن" إلى فرصة نادرة للسعودية لتبوؤ مكانة بارزة في العالم العربي ولقيادة تحالفات جديدة في المنطقة.
فما هي حدود التحالفات الممكنة التي يمكن أن تدفع السعودية لموقع قيادي في المنطقة؟
حدود التحالفات الممكنة
تلتقي مواقف كل من السعودية وتركيا في بعض المناطق الساخنة في الشرق الأوسط، ويضاف إليهما مصر في مناطق وملفات أخرى، وإذا تحركت السعودية تجاه الملفات خارج حدودها المباشرة في اليمن لمواجهة مشاريع التقسيم، واتخذت مصر وتركيا مواقف متقاربة وأقل "محافظة" فإن الدول الثلاثة قد تشكل محورا إقليميا -ليس ضروريا أن يصل لمرحلة التحالف- لمواجهة المشاريع التي تقودها دولة الاحتلال أو على الأقل تصب في مصلحتها.
أولى هذه الساحات بعد اليمن، هي السودان، التي تتعرض لخطر التقسيم بفعل الحرب التي تشنها ميليشيات الدعم السريع ضد الدولة، وهي وإن كانت بعيدة عن السعودية إلا أنها قد تتحول لما يعرف بتأثير "الدومينو" الذي سيشجع الحركات الانفصالية في دل عربية أخرى.
أما بالنسبة لمصر، فهي تشكل خطرا داهما بسبب حدودها الطويلة مع السودان، وهو ما جعل الموقف المصري أقرب للدولة السودانية، ولكن هذا الموقف لم يترجم لدعم حقيقي على أرض الواقع، وقد يعزز توافق مصري سعودي تركي على دعم وحدة السودان موقف القاهرة لاتخاذ مواقف أكثر وضوحا وفعالية في الصراع السوداني.
إن الصومال هي الساحة الثانية المعرضة للتقسيم، وفي حال نجاح التقسيم بعد اعتراف دولة الاحتلال بما يسمى "دولة أرض الصومال" فإنها ستؤثر بشكل غير مباشر على السعودية مصر وتركيا. يأتي هذا التأثير أولا من مخاطر التقسيم التي تحدثنا عنها سابقا كمحفز للحركات الانفصالية وإضعاف دول المنطقة لصالح "إسرائيل"، إضافة لمنح الاحتلال أفضلية في البحر الأحمر الذي يهم السعودية ومصر، بينما تبرز أهمية الصومال لتركيا بعد توسع العلاقات التركية الصومالية خصوصا منذ عام 2011، حيث ارتبطت الدولتان باتفاقيات دفاعية وأمنية واقتصادية وسياسية. وإذا أرادت السعودية ومصر وتركيا تحقيق مصالحها المشتركة في البحر الأحمر والصومال، فلا بد من التوافق لتقديم دعم حقيقي للأخيرة، لمواجهة نفوذ الاحتلال ودعم وحدة البلاد، وإفراغ الاعتراف بـ"أرض الصومال" من مضمونه.
أما الساحة الثالثة فهي ليبيا التي تعاني من التقسيم منذ عام 2011، حيث تدعم الإمارات الجنرال حفتر، وهو ما جعله يشكل كيانا مستقلا عن الدولة المعترف بها دوليا. ويلعب حفتر بحسب تقارير دولية دورا كبيرا في دعم وتسليح ميليشيات "الدعم السريع" في السودان، وهو ما يجعل التقسيم يشكل خطرا بحد ذاته كمحفز للحركات الانفصالية، إضافة إلى دوره في تقويض وحدة السودان التي تمثل مصلحة قومية لمصر، فيما يوثر التقسيم على فرص تركيا في تثبيت اتفاقيات مستدامة حول استثمار الطاقة في شرق المتوسط.
إن توافق مصر وتركيا والسعودية على دعم وحدة ليبيا بشكل فعال، سيؤدي إلى حماية وحدة السودان بشكل غير مباشر، والوصول إلى اتفاقيات عادلة لكل من مصر وتركيا على منابع الطاقة في شرق المتوسط، وكبح أهداف الاحتلال "الإسرائيلي" في إضعاف الدول العربية واحدة تلو الأخرى.
تشكل سوريا "الجديدة" ساحة مهمة أخرى للدول الثلاث، وخصوصا تركيا. تسعى دولة الاحتلال بشكل معلن وصريح لتقسيم سوريا من خلال قوة السلاح وعبر اللعب بورقة "الأقليات"، وهو ما سيوثر حتما على المصالح القومية للسعودية ومصر وتركيا بشكل أكبر.
ورغم أن السعودية وتركيا تدعمان الدولة بعد سقوط نظام الأسد، إلا أن دخول مصر بشكل أكبر على المعادلة سيقوي الموقفين السعودي والتركي، لمواجهة مخطط الاحتلال، ودعم مسيرة نهوض سوريا، واستعادة دورها في المنظومة العربية ومنطقة الشرق الأوسط.
فلسطين.. بوابة التأثير
لا يمكن أن تحقق الدول الثلاث تقدما حقيقيا في هذه الساحات الملتهبة إلا إذا لعبت دورا أكبر في الملف الفلسطيني، وخصوصا في قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار.
تلعب مصر دورا في هذا الملف عبر الوساطة، ولكنها ينبغي أن توسع دورها من بوابة رفع الحصار وإعادة الإعمار ومنع تثبيت تقسيم القطاع، وتقسيم فلسطين ككل. ولكن الدور المصري سيزداد ثقلا إذا وحدت مصر وتركيا والسعودية حركتها في القضية الفلسطينية، وتعاملت مع الاحتلال والولايات المتحدة بموقف موحد تجاه ترتيبات الوضع في غزة والضفة الغربية.
تمتلك مصر أوراقا كثيرة في هذا الملف من خلال دورها في الوساطة، وباعتبارها اللاعب الأكبر في الملف الفلسطيني بحكم التاريخ والجغرافيا وعلاقاتها مع الفصائل الفلسطينية المختلفة والسلطة، فيما تكمن قوة تركيا بعلاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة وانفتاحها على حركة حماس ووجود تواصل جيد لها مع السلطة الفلسطينية. أما السعودية فهي تمتلك الرمزية الدينية وقوة الاقتصاد والتأثير وقوة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها لا تزال متحفظة بفتح علاقات مع الفصائل الفلسطينية خارج السلطة وخصوصا حركة حماس.
يمكن لهذه الدول الثلاث إذا تعاونت ووحدت موقفها أن تلعب دورا هائلا يعطيها ثقلا إقليميا يواجه ثقل دولة الاحتلال، وهنا يجب التنبيه على أهمية استمرار الرفض السعودية للتطبيع مع الاحتلال، على الأقل حتى تحقيق شروط المبادرة العربية، والانفتاح المدروس على الفصائل الفلسطينية وخصوصا حماس.
ثمة فرصة كبيرة للسعودية للعب دور إقليمي وقيادة عربية بالشراكة مع مصر وتركيا، والانفتاح المدروس مع إيران، ولكن هذا يتطلب من الدول الثلاث (مصر وتركيا والسعودية) إدراك عناصر قوتها وتوحيد جهودها لمنع مشاريع الانفصال والتقسيم ومواجهة التغول "الإسرائيلي" الذي يتوافق كثيرا -للأسف- مع سياسات دولة الإمارات العربية.
يبقى القول إن هذه الفرصة ليست ضربا من الخيال -كما يبدو من تجارب المنطقة التاريخية- ولكنها فرصة ممكنة إذا تم التحرك المدروس والحاسم في الملفات الخارجية للمنطقة العربية والشرق الأوسط من قبل الدول الثلاث، إضافة لانفتاح داخلي في السعودية ومصر تجاه الحريات وإنهاء أسباب التوترات الداخلية، لأن مواجهة مشروع محتل داخلي يتطلب وحدة داخلية شاملة.

