محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
ما كشفته وثائق قناة الجزيرة أخيرًا عن تورّط رامي مخلوف، ابن خالة بشّار الأسد، في تمويل حركات تمرّد في الساحل السوري، لا يندرج في إطار تصفية حسابات داخل العائلة الحاكمة فحسب، بل يعكس تشقّقاتٍ أعمق في بنية النظام وفي علاقته بقاعدته الاجتماعية الأشدّ حساسية. ليس الحديث هنا عن احتجاجاتٍ معيشيةٍ أو حالة تململٍ موضعية، بل عن أموال هائلة، وأسماء عسكرية وازنة، بعضها شغل مواقع مفصلية في المؤسّسة الأمنية، وعن شبكاتٍ تتحرّك عبر الحدود، وتحديدًا من روسيا ولبنان.
الأخطر في هذا المسار أنه يستثمر في هواجس حقيقية داخل البيئة العلوية، خصوصًا في الساحل؛ حيث يتراكم الإحساس بالإنهاك، والخسارة البشرية، والتهميش السياسي، والانكشاف الاقتصادي. ولا تقوم هذه الهواجس من فراغ، لكنّها تتحوّل إلى أداة حين توظّف في مشروع سياسي بديل أو موازٍ، يلمّح إلى أن "المركز" لم يعد قادرًا على الحماية، وأن البحث عن صيغ أخرى بات ضرورة وجودية. هنا تحديدًا يبدأ اللعب على حافَة تفكيك الدولة من داخلها، لا عبر معارضتها التقليدية، بل عبر تفكيك حاضنتها.
يتشابك هذا البعد الداخلي بصورةٍ شبه عضويةٍ مع أبعاد إقليمية أكثر تعقيدًا. فإيران، التي تراجعت قدرتها على التحكّم في المشهد السوري كما في السابق، لا تبدو مستعدّةً للانسحاب بهدوء. ومن هنا، يقدّم خيار "الفوضى المحدودة" لها أداةً مزدوجةً: تعطيل الاستقرار، وامتلاك ورقة تفاوضية؛ فإمّا استعادة جزء من النفوذ، وإمّا إبقاء سورية في حالة سيولة سياسية وأمنية تسمح بالمساومة لاحقًا.
وفي السياق نفسه، لا يمكن تجاهل وضع حزب الله بعد الحرب الماضية، فالضربة لم تكن عسكرية فقط، بل استراتيجية؛ إذ تعني خسارة العمق السوري اهتزازًا في معادلة الردع وفي القدرة على الحركة الإقليمية. وإرباك الساحة السورية، حتى لو ضمن حدود محسوبة، يعيد إنتاج هامش مناورة للحزب في لبنان، ويعيد خلط الأوراق في لحظةٍ داخليةٍ شديدة الحساسية.
المفارقة أن هذا المسار يلتقي، مرحليًا على الأقلّ، مع الرؤية الإسرائيلية؛ إذ لا تريد إسرائيل دولةً سوريةً قويةً، ولا تخفي ذلك. فتصريحات بنيامين نتنياهو عن منطقة عازلة ليست مجرّد خطاب تعبوي، بل تعبير عن تصوّرٍ استراتيجيٍّ أوسع، يقوم على تفكيك المجال السوري إلى مناطق نفوذ، وعزل النظام عن الجنوب، بما في ذلك السويداء، وربّما ربط هذا المسار بشمال شرقي سورية، حيث الأكراد.
والحديث عن "ممرّ داود" ليس خيالًا سياسيًا، بل جزءٌ من إعادة رسم "الخرائط الناعمة"؛ إذ تُدار الجغرافيا بالأمن، لا بالحدود. والأخطر أن فكرة الأقاليم أو الكيانات الجزئية، بما فيها سيناريو كيان علوي في الساحل، لم تعد من المحرّمات في بعض الدوائر. قد لا تكون خطّةً جاهزةً، لكنّها تحوّلت إلى احتمال قابل للنقاش، وهذا بحدّ ذاته مؤشّر خطير على تآكل فكرة الدولة المركزية.
أمّا الموقف الأميركي فيبقى الأكثر إرباكًا. فما يُعلن من دعم لمسارات تقودها السعودية وتركيا، ومن تمايز من أجندة نتنياهو، يصطدم بواقع الصمت. فإدارة ترامب لا تعارض عمليًا السياسات الإسرائيلية في سورية، وغضّ الطرف في السياسة لا يختلف كثيرًا عن الموافقة. ليست العبرة بما يُقال، بل بما يُسمح بحدوثه، وما يحدث اليوم يشير إلى تقاطع عميق في المصالح، حتى لو أُنكر خطابيًا.
هنا تحديدًا يبرز السؤال العربي – التركي بوصفه سؤال اللحظة: دول مثل السعودية والأردن وقطر، ومعها تركيا، ومعهم كل من إندونيسيا وباكستان وماليزيا (أو ما بات يُطلق عليه "المجموعة العربية الإسلامية") تمتلك القدرة على التأثير، لكنّها لم تنتقل بعد إلى مستوى الفعل الاستراتيجي المطلوب. فالمسألة لم تعد تتعلّق بدعم النظام أو معارضته، بل بضرورة التدخّل العاجل لفتح مسار داخلي سوري يقوم على وساطة حقيقية بين السلطة ومكوّنات المجتمع المختلفة، ويدفع باتجاه إعادة تعريف الهُويَّة الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا لا أداة إقصاء.
ومن دون هذا التدخّل ستبقى سورية ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وتفكّكها لن يكون شأنًا سوريًا خالصًا، بل زلزالًا يضرب منظومة الأمن الإقليمي بأكملها. نحن أمام لحظة تتقاطع فيها مصالح خصوم تاريخيين: إيران، وإسرائيل، وروسيا، والولايات المتحدة (كلٌّ لأسبابه) لكنّ النتيجة واحدة.

