في حلقة جديدة من مسلسل "بيع أصول الدولة" الذي بات سمة مميزة للسياسة الاقتصادية في مصر خلال السنوات الأخيرة، عادت قضية المطارات المصرية لتتصدر المشهد، مثيرة عاصفة من الجدل والمخاوف المشروعة.
تصريحات وزير الطيران المدني، الدكتور سامح الحفني، التي أكد فيها التوجه لإسناد إدارة وتشغيل المطارات للقطاع الخاص، جاءت مغلفة بتطمينات معتادة حول "السيادة" و"عدم البيع"، لكنها في جوهرها لم تنجح في تبديد الشكوك المتنامية لدى الشارع المصري والمراقبين الاقتصاديين، الذين يرون في هذه الخطوة تمهيدًا لتنازل جديد عن مرافق حيوية تمس الأمن القومي المباشر، تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تسببت فيها سياسات النظام الحالي.
التوقيت الذي اختارته الحكومة لطرح هذا الملف ليس بريئًا؛ إذ يأتي وسط ضغوط الديون المتفاقمة والحاجة الماسة للعملة الصعبة، مما يعزز القناعة بأن شعارات "التطوير" و"رفع الكفاءة" ليست سوى واجهة لتغطية العجز المالي عبر التفريط في إدارة بوابات مصر الجوية.
أجراس الإنذار الإماراتية: سيناريو متكرر لمسلسل "الاستحواذ الناعم"
لعل أبرز ما يثير الريبة في التحركات الأخيرة هو التزامن المريب بين الإعلان عن طرح المطارات للإدارة وبين اللقاء الذي جمع وزير الطيران المدني بالسفير الإماراتي في القاهرة. هذا المشهد يعيد إلى الأذهان فورًا سيناريو صفقة "رأس الحكمة" وما سبقها من استحواذات طالت الموانئ البحرية وشركات قطاع الأعمال الرابحة.
الخبرة المتراكمة لدى المصريين مع التدفقات الاستثمارية الخليجية، وتحديدًا الإماراتية، تشير بوضوح إلى أن الأمر يبدأ عادةً بنقاشات حول "الشراكة" و"التطوير"، وينتهي بسيطرة كاملة وعقود طويلة الأمد تفرغ ملكية الدولة من مضمونها.
إن الحديث عن تحويل "الإدارة" فقط دون الأصول هو مناورة لغوية مكشوفة؛ فمن يملك حق الإدارة والتشغيل وجني العوائد لعقود طويلة هو المالك الفعلي، حتى وإن بقيت الأرض مسجلة باسم الدولة في الأوراق الرسمية.
هذا النمط من "الاستحواذ الناعم" يمثل خطورة بالغة عندما يتعلق الأمر بالمطارات، التي لا تعد مجرد منشآت تجارية، بل هي نقاط حدودية سيادية ومعلوماتية حساسة، وتسليم مفاتيحها لكيانات أجنبية – مهما كانت هوية الحليف – يضع الأمن القومي المصري في وضعية انكشاف غير مسبوقة.
فخ المصطلحات البراقة: "الإدارة" كجسر عبور للتفريط في الأصول
يعتمد الخطاب الرسمي للنظام حاليًا على تكتيك "التهيئة النفسية" للرأي العام، مستخدمًا مفردات رنانة مثل "الشفافية"، "التجربة"، و"تحسين جودة الخدمات".
تصوير الأمر على أنه مجرد استعانة بخبرات فنية لإدارة مرفق خدمي هو تبسيط مخل للواقع، ومحاولة لتخدير الوعي الجمعي قبل تمرير القرارات الكبرى.
إن طرح 11 مطارًا دفعة واحدة أو بالتدريج للنقاش حول إدارتها من قبل القطاع الخاص لا يمكن اعتباره مجرد خطوة إجرائية لتحسين الحقائب أو تقليل طوابير الانتظار، بل هو إعلان صريح عن فشل الدولة في إدارة مؤسساتها، وانسحاب تدريجي من مسؤولياتها السيادية.
المتابع للسياق الاقتصادي يدرك أن الحكومة التي توسعت في الاقتراض غير المدروس، باتت ترى في كل أصل عام "سلعة" قابلة للطرح في المزاد لسد الفجوات التمويلية.
والخطورة تكمن في أن هذه العقود غالبًا ما تفتقر للشفافية الحقيقية؛ فلا أحد يعلم تفاصيل الشروط الجزائية، ولا نسب تقاسم الأرباح، ولا مدى السيطرة التي سيحظى بها "المشغل الأجنبي" على البيانات وحركة الركاب والبضائع، مما يحول مصطلح "الإدارة" إلى جسر عبور آمن نحو الخصخصة المقنعة.
اقتصاد الديون وبيع "فضيّة العائلة": السيادة الوطنية في المزاد
لا يمكن فصل ملف المطارات عن الأزمة الهيكلية التي يعيشها الاقتصاد المصري تحت إدارة النظام الحالي. فبعد بيع الأصول العقارية والتاريخية، والشركات الصناعية، والموانئ البحرية، وصل الدور الآن إلى الأجواء.
هذه السياسة تعكس عقلية "بيع فضية العائلة" للصرف على التزامات آنية أو مشروعات لم تدر عائدًا حقيقيًا.
إن اللجوء لبيع حق إدارة المطارات هو اعتراف ضمني بالعجز عن استثمار هذه المرافق وطنيًا، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهريًا: إذا كانت الحكومة عاجزة عن إدارة مطار، فكيف تدعي القدرة على إدارة دولة بحجم مصر؟
إن السيادة لا تتجزأ، والمطارات ليست فنادق سياحية يمكن تغيير إدارتها ببساطة.
تسليم هذه المرافق لشركات أجنبية تحت ضغط الحاجة للدولار يعني رهن قرار الدولة ومستقبل أجيالها القادمة لحسابات مستثمرين لا يعنيهم سوى الربح.
والمخاوف لا تتعلق فقط بالجانب الاقتصادي، بل بمدى تغلغل النفوذ الخارجي في مفاصل الدولة الحساسة، حيث يصبح المستثمر الأجنبي شريكًا في القرار الأمني واللوجستي.
في النهاية ، يبدو أن تطمينات الوزير والحكومة حول "بقاء الملكية للدولة" لم تعد تجدي نفعًا أمام رأي عام بات يمتلك ذاكرة قوية تجاه الوعود المنكوثة.
إن دخان التصريحات الرسمية يخفي تحته نارًا حقيقية تلتهم ما تبقى من أصول الدولة الاستراتيجية. ما يجري الآن ليس مجرد بحث عن كفاءة إدارية، بل هو حلقة جديدة في مسلسل تفكيك "الدولة المالكة" وتحويلها إلى "دولة جباية" ومجرد "مؤجر" لأراضيها ومرافقها.
وأمام غياب الشفافية وغياب الرقابة الشعبية والبرلمانية الحقيقية، تظل مطارات مصر معلقة في مهب ريح الخصخصة، بانتظار صفقة قد تكون تكلفتها السياسية والسيادية أغلى بكثير من أي عائد مالي مؤقت.

