أحيت أوساط حقوقية وإعلامية عربية، إلى جانب نشطاء وفاعلين على منصات التواصل الاجتماعي، الذكرى السنوية الأولى لاختفاء الشاعر والناشط السياسي المصري–التركي عبد الرحمن يوسف القرضاوي، الذي سلّمته السلطات اللبنانية إلى دولة الإمارات في أواخر عام 2024، في واقعة ما زالت تثير جدلًا واسعًا ومطالبات متواصلة بالكشف عن مصيره ووضع حد لاحتجازه التعسفي.

 

وتزامن إحياء الذكرى مع دعوات تضامن وحملات رمزية نُظّمت أمام سفارات الإمارات وتركيا في عدد من العواصم، حيث رفع المشاركون لافتات وشعارات تؤكد أن «صوت الفرد قد يبدأ الموج، وصوت الجمع يصنع الفيضان»، في رسالة ترمز إلى أهمية الضغط الجماعي والتحرك الحقوقي المنسق من أجل إنهاء ملف الإخفاء القسري وكشف الحقيقة كاملة.

 

اختفاء قسري وانتهاك للقانون الدولي

 

وفي هذا السياق، أصدرت مجموعة من المنظمات الحقوقية بيانًا مشتركًا أكدت فيه أنه بحلول يوم 28 ديسمبر الماضي تكون قد انقضت سنة كاملة على اعتقال عبد الرحمن يوسف القرضاوي في لبنان وتسليمه قسرًا إلى دولة الإمارات، في واقعة وصفتها بأنها تمثل «انتهاكًا جسيمًا للقانون اللبناني وللالتزامات الدولية المترتبة على الدولة اللبنانية».

 

واعتبر البيان أن القضية لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتمثل في «نمط خطير من القمع العابر للحدود»، يقوم على التواطؤ السياسي وتسليم المعارضين إلى دول يواجهون فيها مخاطر حقيقية على حياتهم وحريتهم، في تجاوز صريح لمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

وأشار البيان إلى أنه منذ لحظة تسليم القرضاوي إلى السلطات الإماراتية، انقطع الاتصال بشكل كامل بينه وبين أسرته ومحاميه، باستثناء زيارتين عائليتين فقط سُمح بهما في مارس وأغسطس 2025. وأوضح أن كل زيارة لم تتجاوز عشر دقائق، وجرتا في أماكن غير معلنة وتحت ظروف لم توفر أي قدر من الشفافية بشأن مكان احتجازه أو وضعه القانوني.

 

إخفاء قسري وغياب كامل للمعلومات

 

وأكدت المنظمات الحقوقية أن السلطات الإماراتية لم تقدم حتى الآن أي معلومات رسمية حول مكان احتجاز عبد الرحمن يوسف القرضاوي، أو وضعه القانوني، أو طبيعة الإجراءات المتخذة بحقه، معتبرة أن هذا الصمت الرسمي «يرقى إلى حالة إخفاء قسري مستمرة» وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي.

 

ونقلت المنظمات عن أسرة القرضاوي إفادتها بأنه محتجز في ظروف قاسية تشمل الحبس الانفرادي المطوّل، والحرمان من التريض والتواصل، وتقييد الزيارات بشكل صارم، إضافة إلى منعه من الاحتفاظ بمتعلقاته الشخصية وكتبه وصور أطفاله.

 

وأضافت الأسرة أن هذه الظروف أدت إلى تدهور خطير في حالته النفسية، وحرمانه من حقوقه الأساسية، في ظل مخاوف متزايدة تتعلق بسلامته الصحية والنفسية، خاصة مع استمرار الغموض وغياب أي رقابة مستقلة على أوضاع احتجازه.

 

مسؤولية مشتركة للإمارات ولبنان

 

وشدد البيان الحقوقي على أن «المسؤولية عن هذه الانتهاكات لا تقع على عاتق السلطات الإماراتية وحدها»، بل تمتد بشكل مباشر إلى السلطات اللبنانية التي تجاهلت التزاماتها الدولية عندما أقدمت على ترحيل عبد الرحمن يوسف القرضاوي، رغم علمها المسبق بتعرضه لمخاطر جسيمة تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة.

 

كما دعا الموقعون على البيان السلطات التركية إلى تكثيف جهودها لمتابعة أوضاع عبد الرحمن يوسف القرضاوي بوصفه مواطنًا تركيًا، واتخاذ الخطوات الدبلوماسية والقنصلية اللازمة لحماية حقوقه، والعمل الجاد من أجل الإفراج عنه.

 

وطالبوا كذلك بضمان السماح بزيارات قنصلية منتظمة وغير مقيّدة، والحصول على معلومات موثوقة ودقيقة حول مكان احتجازه ووضعه القانوني، والمتابعة الحثيثة لوضعه الصحي والنفسي، في ضوء المؤشرات المقلقة المرتبطة بظروف احتجازه الحالية.

 

تسليم قسري وانتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية

 

وفي سياق متصل، قالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، في تقرير منفصل، إن «قرار تسليم القرضاوي قسرًا إلى دولة الإمارات يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية»، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي لحقوق الإنسان يحظر تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها للتعذيب أو للمعاملة اللاإنسانية أو غير العادلة.

 

وأكد التقرير أن القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب، يحمّل الدول مسؤولية حماية الأفراد من مخاطر التعذيب أو الاحتجاز التعسفي في حالات التسليم، وهو ما يجعل السلطات اللبنانية مسؤولة بشكل مباشر عن تجاهل هذه الالتزامات عند تنفيذ قرار ترحيل عبد الرحمن يوسف القرضاوي.

 

ويُذكر أن عبد الرحمن يوسف القرضاوي، البالغ من العمر 54 عامًا، شاعر وناشط سياسي مصري يحمل الجنسية التركية، عُرف بدفاعه العلني عن الديمقراطية وحرية التعبير، وبنشاطه السياسي ومواقفه الناقدة للسلطات في مصر والإمارات، وهو ما جعله، وفق منظمات حقوقية، هدفًا لتضييق متزايد على المعارضين، تتجلى ملامحه بوضوح في ظروف احتجازه الحالية.