في واحدة من أخطر صور الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل أماكن الاحتجاز، تكشف وقائع موثقة عن جريمة قتل بطيئة ارتُكبت بحق المعتقل الشاب أحمد عبد الله محمد عبد الله داخل سجن العقرب شديد الحراسة (1)، حيث تداخل التعذيب البدني المباشر مع الحرمان المتعمد من العلاج، في إطار منهجية ممتدة للإفلات من العقاب، تضع أرواح المحتجزين على هامش القانون والعدالة.

 

فلا يقلّ الحرمان من الرعاية الطبية داخل السجون قسوةً أو فتكًا عن أساليب التعذيب التقليدية، بل يُعدّ أحد أخطر أنماطه وأكثرها انتهاكًا للكرامة الإنسانية، إذ يُستخدم كوسيلة ممنهجة لإخضاع المعتقلين وكسر إرادتهم النفسية والجسدية، وينتهي في كثير من الأحيان بالموت البطيء خلف الأسوار، دون محاسبة حقيقية للمسؤولين.

 

تعذيب ممنهج خارج إطار القانون

 

تؤكد الشبكة المصرية لحقوق الإنسان أن واقعة وفاة أحمد عبد الله ليست حادثًا فرديًا أو استثناءً عابرًا، بل نموذج صارخ لسياسة ممنهجة تُمارس داخل أماكن الاحتجاز في مصر، تقوم على الإهمال الطبي المتعمد، ورفض تقديم العلاج، إلى جانب التعذيب البدني والنفسي، في ظل غياب شبه كامل للمساءلة القضائية.

 

وتشير الشبكة إلى أن هذه الجريمة وقعت يوم الخميس الموافق 12 يونيو 2018، داخل أحد أكثر السجون تشديدًا للحراسة، وهو سجن العقرب (1)، بعد سلسلة طويلة من الانتهاكات التي بدأت منذ لحظة اعتقال الضحية.

 

الضحية: شاب في مقتبل العمر

 

الضحية هو أحمد عبد الله محمد عبد الله، شاب يبلغ من العمر 32 عامًا، من مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، جرى اعتقاله بتاريخ 11 يناير 2017، على ذمة القضية رقم 316 لسنة 2017 حصر تحقيق أمن دولة، دون أن يُمنح الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة أو المعاملة الإنسانية.

 

إخفاء قسري وتعذيب قبل السجن

 

وفقًا لشهادات موثقة، تعرض أحمد عبد الله للإخفاء القسري لمدة شهرين كاملين داخل مقر الأمن الوطني بمدينة الزقازيق، قبل أن يظهر لأول مرة أمام النيابة العامة في 5 مارس 2017. وخلال تلك الفترة، تعرض لتعذيب بدني ونفسي شديد، خلّف آثارًا واضحة على حالته الصحية والنفسية.

 

وبعد انتهاء فترة الإخفاء القسري، جرى ترحيله إلى سجن العقرب شديد الحراسة (1)، حيث بدأت مرحلة جديدة من الانتهاكات.

 

سجن العقرب… بيئة قمعية مغلقة

 

داخل عنبر H4 بسجن العقرب، واجه أحمد عبد الله ظروف احتجاز وُصفت بالقاسية واللاإنسانية، شملت منعه من الزيارات، وحرمانه من التريض، والتضييق المستمر عليه، إلى جانب الرفض المتكرر لتقديم الرعاية الطبية، رغم تدهور حالته الصحية والنفسية بشكل ملحوظ.

 

وبحسب شهادات معتقلين زملاء له، فقد ظهرت على أحمد أعراض مرضية واضحة، استدعت نقله الفوري إلى المستشفى، إلا أن جميع النداءات والاستغاثات قوبلت بالتجاهل والتعنت.

 

«أنا هعالجُه بطريقتي»

 

تصل الانتهاكات ذروتها عند هذه العبارة، التي نُقلت على لسان ضابط الأمن الوطني المسؤول عن عنبر H4، المدعو محمد شاهين، عندما طالبه المعتقلون بنقل أحمد عبد الله إلى المستشفى.

 

وبحسب الشهادات، اتهم الضابط الضحية بادعاء المرض، رافضًا تقديم أي مساعدة طبية، قبل أن يطلق عبارته الشهيرة:
«أنا هعالجُه بطريقتي».

 

لم تكن هذه الكلمات مجرد تهديد، بل كانت إيذانًا ببدء فصل جديد من التعذيب.

 

تعذيب حتى الموت

 

أمر الضابط بتكبيل أحمد عبد الله واقتياده إلى مبنى الإدارة، حيث تعرض لتعذيب شديد على أيدي عدد من المخبرين، هم:
عباس، سيد خاطر، سيد بدوي، أحمد الحضري، وعبد الرؤوف.

 

استمر التعذيب لساعات، قبل أن يُعاد الضحية إلى زنزانته في حالة إعياء تام، وقد بدت آثار الضرب والتعذيب واضحة على جسده. وبعد نحو ساعتين فقط، لفظ أنفاسه الأخيرة، ليلتحق بقائمة طويلة من ضحايا التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون.

 

دور مريب للنيابة والطب الشرعي

 

تطرح الشبكة المصرية لحقوق الإنسان تساؤلات خطيرة حول دور وكيل النيابة والطبيب الشرعي في هذه القضية، خاصة مع إصدار تصريح دفن الجثمان، رغم وجود آثار تعذيب واضحة لا تخطئها العين.

 

وأشار تقرير الطب الشرعي إلى أن سبب الوفاة هو «هبوط حاد في الدورة الدموية»، متجاهلًا بشكل كامل الإصابات الظاهرة والوقائع الموثقة للتعذيب، ما يثير شبهات جدية حول التواطؤ أو الإهمال المتعمد، وطمس معالم الجريمة.

 

بلاغ رسمي ومطالب بالعدالة

 

تقدمت الشبكة المصرية ببلاغ رسمي إلى النائب العام، طالبت فيه بفتح تحقيق عاجل ومستقل وشامل في ملابسات وفاة أحمد عبد الله، ومحاسبة جميع المتورطين في الجريمة، بدءًا من ضابط الأمن الوطني المسؤول، مرورًا بالمخبرين، وصولًا إلى كل من ساهم في التستر على الجريمة.

 

كما شددت الشبكة على ضرورة مساءلة وكيل النيابة والطبيب الشرعي اللذين أصدرا تصريح الدفن، بالمخالفة للقانون والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب والقتل خارج إطار القانون.

 

ست سنوات من الإفلات من العقاب

 

وبعد مرور أكثر من ست سنوات على الواقعة، تؤكد الشبكة المصرية لحقوق الإنسان أن إعادة نشر هذه التفاصيل ليست استدعاءً للماضي، بل محاولة لكسر جدار الصمت، وإحياء مطلب العدالة، في ظل استمرار سياسة الإفلات من العقاب، التي تشجع على تكرار الجرائم داخل أماكن الاحتجاز.

 

وتحذر الشبكة من أن استمرار هذه السياسات يمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة العدالة، وانتهاكًا صارخًا لالتزامات مصر القانونية والدستورية والدولية، داعية المجتمع الحقوقي المحلي والدولي إلى متابعة القضية، والضغط من أجل فتح تحقيق جاد، يفضي إلى محاسبة المسؤولين وإنصاف الضحية.