تدخل إيران مطلع عام 2026 مرحلة جديدة من الاضطرابات الداخلية بعد اندلاع موجة احتجاجات واسعة شملت عشرات المحافظات، وسط انقطاع شبه كامل للاتصالات والإنترنت.

 

ورغم محاولات السلطات فرض التعتيم الإعلامي، انتشرت عبر المنصات المقيدة مقاطع فيديو تظهر احتجاجات ليلية وهتافات مناهضة للنظام، في مشهد يعيد إلى الأذهان انتفاضات سابقة، لكنه يأتي هذه المرة في ظل احتقان اقتصادي غير مسبوق وتصعيد سياسي وعسكري في المنطقة.

 

ومع تحذيرات من تدخل خارجي بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو إيران أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

 

شرارة الاحتجاجات وأسبابها العميقة

 

بدأت التظاهرات في مطلع يناير/كانون الثاني 2026 استجابة لدعوة وجهها ولي العهد المنفي رضا بهلوي، الذي دعا الإيرانيين إلى النزول للشارع للمطالبة بالحرية والتغيير.

 

انطلقت الاحتجاجات في مدن عدة، من بينها طهران، أصفهان، شيراز وكرمانشاه، حيث أشعل المتظاهرون الإطارات ورددوا شعارات ضد الحكومة والمرشد الأعلى.

 

تعود جذور الغضب الشعبي إلى التدهور الاقتصادي المستمر، إذ يعاني الإيرانيون من تضخم تجاوز 60%، ونقص في السلع الأساسية، وارتفاع في معدلات البطالة، إلى جانب الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

 

كما أدت العقوبات الغربية إلى تقييد الصادرات النفطية، ما حرم الحكومة من مصدرها الرئيسي للعملة الصعبة.

 

ويرى مراقبون أن الاحتجاجات الحالية تختلف عن موجات الغضب السابقة لأنها تمتد على نطاق جغرافي واسع وتشمل شرائح اجتماعية متعددة، من الطبقة الوسطى في المدن الكبرى إلى العمال في الأقاليم الصناعية، ما يجعلها تحدياً حقيقياً للسلطة الحاكمة.

 

انقطاع الاتصالات وتضارب الروايات الرسمية

 

في محاولة للسيطرة على الموقف، قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت والاتصالات الدولية، في خطوة تهدف إلى منع التواصل بين المتظاهرين والحد من انتشار المعلومات للخارج. إلا أن ناشطين نجحوا في تسريب مقاطع تُظهر مواجهات عنيفة بين المحتجين وقوات الأمن، وحرق مقار حكومية في بعض المدن.

 

الإعلام الرسمي الإيراني خرج عن صمته بعد أيام، زاعماً أن "عناصر إرهابية مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل" تقف وراء أعمال العنف.

 

كما أشار إلى سقوط "ضحايا"، دون الكشف عن أعداد دقيقة.

 

في المقابل، أكدت منظمات حقوقية أن عدد القتلى تجاوز 40 شخصاً، فيما اعتُقل أكثر من ألفي متظاهر.

 

ويعد هذا الانقطاع شبه الكامل للإنترنت أحد أبرز أدوات النظام في مواجهة الاحتجاجات منذ عام 2019، إلا أن فاعليته تراجعت مع تطور الوسائل البديلة التي يستخدمها النشطاء لنقل الصور والمقاطع إلى الخارج.

 

وبذلك، تحولت الحرب الإعلامية إلى ساحة جديدة للصراع بين الحكومة والمعارضة.

 

تفاعل دولي وتصعيد في الإقليم

 

على الصعيد الدولي، حذر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من "عواقب وخيمة" إذا لجأت طهران إلى استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، ملمّحاً إلى إمكانية تدخل عسكري أمريكي–إسرائيلي مشترك.

 

وكشفت تقارير عن مشاورات بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن احتمال توجيه ضربة محدودة للمنشآت النووية الإيرانية، في ظل تصاعد التوتر في المنطقة.

 

من جانبه، أشاد نتنياهو بما وصفه بـ"شجاعة الشعب الإيراني"، معتبراً أن الاحتجاجات "لحظة حاسمة لاستعادة إيران مستقبلها".

 

في المقابل، ردّ المرشد الأعلى علي خامنئي بتصريحات متشددة، مؤكدًا أن بلاده "لن تخضع للعدو" وأنها "سترد بقوة" في حال تعرضها لأي هجوم، بينما أبدى وزير الخارجية عباس عراقجي استعداداً مشروطاً للتفاوض حول البرنامج النووي.

 

التصعيد لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يشمل أيضاً تغيرات جيوسياسية أوسع.

 

فالتوتر في إيران يتزامن مع اضطرابات في العراق ولبنان واليمن، ما يعزز المخاوف من اتساع دائرة الفوضى في الشرق الأوسط.

 

ويرى محللون أن واشنطن وتل أبيب تسعيان لاستثمار اللحظة لزيادة الضغط على طهران في ملفات النووي والنفوذ الإقليمي.

 

خاتمة

 

تبدو إيران اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فالمواجهة بين الشارع والنظام تجاوزت حدود المطالب المعيشية لتتحول إلى تحدٍ مباشر لسلطة المرشد والحرس الثوري.

 

ومع تدهور الاقتصاد وتصاعد الغضب الشعبي، قد تواجه الجمهورية الإسلامية أخطر اختبار لاستقرارها منذ أربعة عقود.

 

في الوقت ذاته، فإن أي تدخل خارجي سيزيد المشهد تعقيداً، وقد يدفع المنطقة إلى موجة جديدة من الصراع المفتوح.

 

ما بين صوت المحتجين المطالب بالحرية وتهديدات النظام بالرد، يبقى مستقبل إيران معلقاً بين خيارين: إما إصلاح حقيقي يفتح الباب أمام التغيير، أو مواجهة قد تمتد من الداخل إلى الإقليم بأسره.