ينتقد الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، انشغال بعض المتدينين بـ«معارك جانبية» في مسائل اجتهادية فرعية كحلق اللحية، وإسبال الثياب، وتحريك الإصبع، واقتناء الصور، بينما تتعرض الأمة لتهديدات كبرى تمس الهوية والعقيدة والدماء، وتمتد هذه الخصومات حتى إلى جاليات الغرب.
ويؤكد أن الأولى توجيه الجهد لحفظ أصل العقيدة، وإقامة الفرائض، واجتناب الكبائر، لأن النجاح في هذه الثلاث يحقق مكسبا عظيما، لا سيما مع ملاحظة تناقض بعض المجادلين بتفريطهم في حقوق الوالدين والعمل والأسرة.
ويربط العلامة هذا المسلك بضعف الرسوخ والوقوع في جدل مذموم، مستشهدا بحديث «ما ضل قوم… إلا أوتوا الجدل»، وبموقف ابن عمر حين استنكر سؤال أهل العراق عن دم البعوض بعد قتل الحسين. ثم يحذر من الإسراف في التحريم والتشديد، ويبين أن السلف لا يطلقون «الحرام» إلا بدليل قطعي.
ويعرض نماذج فقهية: جواز الشرب قائما لتعارض النصوص وترجيح العلماء، وأن وعيد الإسبال يحمل على الخيلاء، فلا يصح التغليظ في مسائل الخلاف، كما يدعو لموازنة الأولويات وترسيخ المقاصد قبل تتبع الجزئيات المثيرة للفرقة بين المسلمين.
الاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى
ومن دلائل عدم الرسوخ في العلم، ومن مظاهر ضعف البصيرة بالدين: اشتغال عدد من هـؤلاء بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية، عن القضايا [ ص: 70 ] الكبرى التي تتعلق بكينونة الأمة وهويتها ومصيرها، فنرى كثيرا منهم يقيم الدنيا ويقعدها من أجل حلق اللحية أو الأخذ منها أو إسبال الثياب، أو تحريك الإصبع في التشهد، أو اقتناء الصور الفوتوغرافية أو نحو ذلك من المسائل التي طال فيها الجدال، وكثر فيها القيل والقال.
هذا في الوقت الذي تزحف فيه العلمانية اللادينية، وتنتشر الماركسية الإلحادية، وترسخ الصهيونية أقدامها، وتكيد الصليبية كيدها، وتعمل الفرق المنشقة عملها في جسم الأمة الكبرى، وتتعرض الأقطار الإسلامية العريقة في آسيا وأفريقيا لغارات تنصيرية جديدة يراد بها محو شخصيتها التاريخية وسلخها من ذاتيتها الإسلامية، وفي نفس الوقت يذبح المسلمون في أنحاء متفرقة من الأرض، ويضطهد الدعاة الصادقون إلى الإسلام في بقاع شتى.
والعجيب أني وجدت الذين هـاجروا أو سافروا إلى ما وراء البحار في أمريكا وكندا وأوروبا، لطلب العلم أو طلب الرزق، قد نقلوا هـذه المعارك الجانبية إلى هـناك.
وكثيرا ما رأيت بعيني، وسمعت بأذني، آثار هـذا الجدل العنيف، وهذا الانقسام المخيف بين فئات المسلمين، حول تلك المسائل التي أشرنا إلى بعضها وما يشبهها من قضايا اجتهادية ستظل المذاهب والآراء تختلف فيها، وهيهات أن يتفق الناس عليها.
وكان الأولى بهؤلاء أن يصرفوا جهودهم إلى ما يحفظ على المسلمين وناشئتهم أصل عقيدتهم، ويربطهم بأداء الفرائض، ويجنبهم اقتراف الكبائر، ولو نجح المسلمون في تلك الأقطار الأجنبية في هـذه الثلاث: حفظ [ ص: 71 ] العقيدة، وأداء الفرائض، واجتناب الكبائر، لحققوا بذلك أملا كبيرا وكسبا عظيما.
ومن المؤسف حقا أن من هـؤلاء الذين يثيرون الجدل في هـذه المسائل الجزئية وينفخون في جمرها باستمرار، أناسا يعرف عنهم الكثيرون ممن حولهم، التفريط في واجبات أساسية مثل: بر الوالدين، أو تحري الحلال، أو أداء العمل بإتقان، أو رعاية حق الزوجة، أو حق الأولاد، أو حق الجوار، ولكنهم غضوا الطرف عن هـذا كله، وسبحوا بل غرقوا في دوامة الجدل الذي أصبح لهم هـواية ولذة، وانتهى بهم إلى اللدد في الخصومة والمماراة المذمومة.
وهذا النوع من الجدل هـو الذي أشار إليه الحديث ( ما ضل قوم بعد هـدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح) .
الجدل في الجزئيات مع اقتحام الكبائر
ويذكرني هـذا بما رواه لي بعض الإخوة في أمريكا عن أحد الذين ارتفعت أصواتهم بالإنكار على أكل اللحوم المذبوحة من طعام أهل الكتاب، مما أفتى بحله عدد من العلماء قديما وحديثا، وكان هـذا من أعلاهم صوتا، وأكثرهم تشددا، وهو في الوقت نفسه - كما روى لي الثقات - لا يبالي أن تكون الخمر على مائدته، فهذه نقرة، وتلك نقرة، يعني أنه يتشدد ويتوقف في المشتبه فيه والمختلف عليه، على حين يقتحم حمى المحرمات اليقينية الصريحة بلا توقف ولا مبالاة!!
ومثل هـذا الموقف المتناقض - الاجتراء على الكبائر والوسوسة في التوافه - هـو ما أثار الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، حين [ ص: 72 ] سأله من سأله من أهل العراق عن دم البعوض ونحوه بعد قتل السبط الشهيد سيد الشباب: الحسين بن علي رضي الله عنهما .
فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن أبي نعيم قال: جاء رجل إلى ابن عمر وأنا جالس، فسأله عن دم البعوض؟ - وفي طريق أخرى للحديث أنه سأله عن محرم قتل ذبابا - فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: هـا! انظروا إلى هـذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني الحسين رضي الله عنه ) وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هـما ريحانتاي من الدنيا ) [1]
الإسراف في التحريم والتشديد في مسائل الخلاف
الإسراف في التحريم
ومن دلائل هـذه الضحالة، وعدم الرسوخ في فقه الدين، والإحاطة بآفاق الشريعة: الميل دائما إلى التضييق والتشديد والإسراف في القول بالتحريم، وتوسيع دائرة المحرمات، مع تحذير القرآن والسنة والسلف من ذلك.
وحسبنا قوله تعالى: ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هـذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) (النحل:116) .
وكان السلف لا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزما، فإذا لم يجزم بتحريمه قالوا: نكره كذا، أو لا نراه، أو نحو ذلك من العبارات، ولا يصرحون بالتحريم، أما الميالون إلى الغلو، فهم يسارعون إلى التحريم دون [ ص: 73 ] تحفظ، بدافع التورع والاحتياط، إن أحسنا الظن، أو بدوافع أخرى، يعلم الله حقيقتها.
فإذا كان في الفقه رأيان: أحدهما يقول بالإباحة والآخر بالكراهة، أخذوا بالكراهة، وإن كان أحدهما بالكراهة، والآخر بالتحريم، جنحوا إلى التحريم.
وإذا كان هـناك رأيان: أحدهما ميسر، والآخر مشدد، فهم دائما مع التشديد، مع التضييق، هـم دائما مع شدائد ابن عمر ، ولم يقفوا يوما مع رخص ابن عباس ، وكثيرا ما يكون ذلك لجهلهم بالوجهة الأخرى، التي تحمل الترخيص والتيسير.
مثال الشرب قائمًا وسوء فهم الخلاف الفقهي
رأى أحدهم رجلا يشرب قائما، فزجره بعنف وقال له: اقعد، فقد خالفت السنة، واقترفت أمرا منهيا عنه، ولم يفهم الرجل هـذه الضجة، فلم يجلس، فقال له صاحبنا: عليك - إن كنت مسلما - أن تتقيأ ما شربته!
قلت له برفق: الأمر لا يستحق كل هـذا الزجر والتغليظ، فالمسألة - أعني جواز الشرب قائما - خلافية، والمسائل الخلافية لا يجوز فيها الإنكار، وإن جاز فيها الإنكار، لا يجوز فيها التشديد والتغليظ.
قال: ولكن الحديث صريح في النهي عن الشرب قائما، ( ومن نسي فليستقئ ) . وهو في الصحيح.
قلت: ولكن أحاديث جواز الشرب قائما أصح وأثبت، ولهذا أخرجها البخاري تحت عنوان " باب الشرب قائما " ولم يخرج من أحاديث النهي شيئا؛ وروى الترمذي وغيره جواز الشرب قائما من حديث عدد من الصحابة. [ ص: 74 ]
كما أن الشرب قائما ثبت عنه في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم ، فقد فعله في حجة الوداع، كما رواه ابن عباس وهو في الصحيحين؛ وروى الشيخان ( عن علي : أنه توضأ، ثم قام فشرب فضل وضوئه وهو قائم، ثم قال: إن أناسا يكرهون الشرب قائما. وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت. ) يعني: شرب فضل وضوئه قائما كما شربت.
وصحح الترمذي من حديث ابن عمر قال: ( كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام ) .
وصحح أيضا ( عن كبشة قالت: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من قربة معلقة ) .
وثبت الشرب قائما عن عمر ، وفي الموطأ: أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما، وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسا, وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين.
ذكر ذلك كله الحافظ في " الفتح " ثم ذكر مسالك العلماء في هـذه المسألة مع تعارض الظواهر فيها، فمنهم من رجح أحاديث الجواز لأنها أثبت من أحاديث النهي، وبخاصة أن من روي عنهم النهي روي عنهم الجواز.
ومنهم من قال: إن أحاديث الجواز ناسخة لأحاديث النهي، لتأخرها وتأكدها بفعل الخلفاء الراشدين.
ومنهم من أول النهي بأنه محمول على كراهة التنزيه، وأن الهدف منه الإرشاد إلى ما هـو الأوفق والأليق.
وإن أمرا فيه كل وجهات النظر هـذه لا يجوز أن ينكر على من فعله، بله أن يغلظ عليه. [ ص: 75 ]
قضية الإسبال بين النصوص المطلقة والمقيدة
ومثل ذلك قضية تقصير الثوب الذي التزمه كثير من الشباب المتدين، رغم ما جر عليهم من متاعب أسرية واجتماعية، بدعوى أن لبس الثوب إذا زاد عن الكعبين، فهو حرام، وحجتهم الحديث الصحيح؛ ( ما أسفل من الكعبين فهو في النار )
والأحاديث التي جاءت بالوعيد الشديد لمن يسبل إزاره، ومن يجر ثوبه.
ولكن هـذه الأحاديث المطلقة قد قيدتها أحاديث أخر، حصرت هـذا الوعيد فيمن فعل ذلك على سبيل الفخر والخيلاء، والله لا يحب كل مختال فخور.
نقرأ في حديث ابن عمر في الصحيح: ( من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) وحديثه الآخر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هـاتين يقول ( من جر إزاره، لا يريد بذلك إلا المخيلة، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ) [1] وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه ، حيث قال: إن إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهده: إنك لست ممن يفعله خيلاء... ولهذا ذهب النووي وغيره إلى كراهية الإسبال ونحوه، والكراهة تزول لأدنى حاجة.

