عياد أبلال
كاتب وباحث مغربي
تحولت واقعة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته على يد القوات الأميركية، فجر الثالث من يناير 2026 إلى جدل كبير حول الشرعية الدولية والقانون الدولي، وقيمة الأمم المتحدة في زمن القوة الغاشمة، حيث انصب النقاش حول مفاهيم، من قبيل، السيادة الوطنية، القانون الدولي، سيادة الدول، وهو ما جعلها ليس مجرد حدث سياسي أو قانوني عابر، بل قضية دولية مركزية تعيد طرح أسئلة حول الرأسمالية الاحتكارية الغربية، ودورها في توجيه السياسات الخارجية لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية إستراتيجية معقدة، لها جذور تاريخية تمتد إلى الحرب الباردة.
لقد تم توجيه تهم جنائية للرئيس مادورو، تتعلق بالاتجار الدولي بالمخدرات أمام أنظار المحكمة بنيويورك يوم الخامس من الشهر نفسه. ليست هذه الحادثة هي الأولى من نوعها في التاريخ الأميركي المعاصر، إذ سبق اعتقال أورلاندو هيرنانديز، رئيس هندوراس سنة 2022، وحكم بنفس التهم تقريبا، وتم العفو عنه بقرار من ترامب في 1 ديسمبر 2025، بعد أن كان يقضي عقوبة 45 سنة سجنا، وقبله، تم اعتقال مانويل نورييغا سنة 1989، رئيس بنما، بالتهم نفسها.
ولكن ما جرى يكشف أن التدخلات الأميركية الخارجية، من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، تعكس في العمق إستراتيجية رأسمالية احتكارية.
فكيف يمكن فهم هذه الإستراتيجية، وما هي حدود القانون الدولي في حماية الدول الضعيفة؟ وكيف سيكون مصير العالم العربي والشرق الأوسط في ظل ذلك؟ وهل للصين وروسيا دور فيما حدث؟
1 - السياسة الخارجية الأميركية بين الأمن القومي والقانون الدولي
إن الحقيقة الغائبة في واقعة الاعتقال، هي الرغبة في استغلال النفط والمدخرات الفنزويلية، كما هو حال الرأسمالية الاحتكاربة، وهي خطوة تمثل سابقة خطيرة على الصعيد الدولي؛ لأنها تنطوي على استخدام القوة عبر الحدود لاعتقال رئيس دولة أخرى دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، بل وحتى دون إخطار الكونغرس الأميركي.
وهو ما يعد أيضا خرقا للدستور الأميركي، كما أن القانون الدولي، ينص على أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة كاملة، ولا يجوز اعتقالهم أو محاكمتهم في دولة أخرى إلا في حالات نادرة للغاية، ومن خلال آليات دولية معترف بها، مثل تنفيذ أحكام قانونية دولية، كتلك التي تصدرها المحكمة الجنائية الدولية.
ولهذا، فانتقاد عدد من الدول والمؤسسات هذا الفعل غير القانوني، من منظور القانون الدولي، يدل على أن العالم أصبح اليوم أمام أكبر تجليات عصر القوة الغاشمة.
فروسيا والصين دانتا العملية، باعتبارها انتهاكا واضحا للسيادة وتهديدا مباشرا للسلم في أميركا اللاتينية، مطالبتين بإطلاق سراح مادورو وزوجته، وهو ما أكدته الأمم المتحدة التي عبرت عن قلقها الشديد، مشيرة إلى أن العملية تشكل "سابقة خطيرة"، حسب كلمة الأمين العام للأمم المتحدة.
وهو الأمر، الذي سيكون له حتما تأثير كبير على السلم الدولي، مما سيؤجج الانقسامات بين القوى الكبرى، ويضعف الأطر القانونية التي تحكم استخدام القوة الدولية. وبطبيعة الحال، فهذه الحادثة، غير معزولة عن حوادث أخرى ذات صلة، تؤسس لمرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية غير المقيدة، واستعمال القوة دون تقييد أو شرط، تضمر مخاطر كبيرة على الاستقرار العالمي، وخاصة استقرار البلدان الضعيفة.
وإذا كانت هذه الأفعال تظهر ضعف آليات تطبيق القانون الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بدول ضعيفة أو اقتصادات أقل نفوذا، مما يعيد تساؤلات حول جدوى الهيكل الدولي الحالي في حماية الحقوق السيادية حين تواجه قوى عظمى مصالحها، فإن الأسباب الحقيقية، تكمن خلف الأبعاد الجيو إستراتيجية لهذه البلدان، وليس فنزويلا سوى مثال من ضمن أمثلة أخرى على ذلك.
2- الأسباب والعوامل الحقيقية لاعتقال مادورو
لفهم الأسباب الحقيقية يجب العودة إلى الوراء قليلا، إذ ليس للتهم الجنائية التي وجهت لمادورو، أو لمن قبله، علاقة بالموضوع.
ففي سنة 1974، تمكن وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر في زيارته الخليج العربي من تأسيس تفاهمات إستراتيجية، عرفت لاحقا باسم "الصفقة النفطية-الأمنية" أو "الاتفاقية غير المكتوبة"، مفادها ضمان هذه الدول استقرار إمدادات النفط للولايات المتحدة وأوروبا، عبر توفير النفط بأسعار معقولة ومستقرة، وضمان استمرار تدفق النفط عبر القنوات العالمية.
بالمقابل تضمن الولايات المتحدة الأمن والاستقرار للمنطقة، مع الالتزام بعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع الالتزام بالدولار الأميركي في تجارة النفط.
وقد جاءت هذه التفاهمات مباشرة بعد أزمة الطاقة في 1973، عندما فرضت الدول العربية حظرا على تصدير النفط للولايات المتحدة وأوروبا ردا على دعم إسرائيل في حرب أكتوبر.
بيد أن التحولات الجيو إستراتيجية التي عرفها العالم منذ بداية الألفية الثالثة، وبروز التنين الصيني كقوة منافسة تهدد عرش الاقتصاد الأميركي، خاصة بعد تأسيسها تكتل "البريكس" إلى جانب روسيا والهند والبرازيل سنة 2006، وانضمام جنوب أفريقيا سنة 2010، قد قلب ذلك موازين القوى.
فإذا كانت فنزويلا تمتلك أزيد من 303 مليارات برميل من احتياطات النفط المؤكدة، بما يشكل 20٪ من النفط العالمي، وبما يفوق احتياطات السعودية، بصفتها ثاني مورد للبترول بعد الولايات المتحدة الأميركية، مما يجعلها قوة جيو إستراتيجية واقتصادية كبيرة، فإن الخطر الأكبر يكمن في توتر علاقاتها الاقتصادية بالولايات المتحدة الأميركية، حيث أعلنت سنة 2018 عزمها التحرر من الدولار، وقبولها تصدير النفط للصين، باليوان الصيني، بدل الدولار، والتخلي عن نظام "السويفت"، واعتماد نظام "سيبس" الصيني، والذي يضم 4800 بنك في 185 دولة.
إن اعتقال مادورو، مرتبط منهجيا بالأمن القومي الاقتصادي الأميركي، وفق رؤيته الرأسمالية الاحتكارية، ويتجاوز مجرد الاختلاف مع فنزويلا في سياستها الداخلية، إذ الأمر مرتبط أساسا بما تشكله سياستها الخارجية على عهد رئيسها المعتقل، خاصة فيما يتعلق بالامتداد الإستراتيجي للصين وروسيا، ومحاولة تقزيم دورهما في الساحة الدولية، ومن ثم، كبح جماح الصعود الصيني، الذي سينال حتما من نظام "البترودولار".
إن امتلاك فنزويلا هذه الثروة البترولية الكبيرة، ناهيك عن الذهب وموارد ثمينة أخرى، يعني أن التهديد جدي وخطير، خاصة أن انضمامها المستقبلي للبريكس، كان سيشل بشكل كلي الاقتصاد الأميركي.
وإذا علمنا أن الصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، فهذا يعني أن الولايات المتحدة تخسر مليارات الدولارات سنويا، وكل امتداد للتنين الصيني في العالم، وخاصة دول الجنوب، يعني التآكل السريع للدولار، ومن ثم للاقتصاد الأميركي، الذي بات يعيش، حسب مجلة اقتصاد تايمز، أزمة كبيرة، وينبئ بكارثة، خاصة مع ارتفاع معدل البطالة، وانكماش معدل النمو؛ نتيجة سياسة الرسوم الجمركية المرتفعة التي اعتمدها ترامب على السلع المستوردة، والتي كان لها تأثير سلبي على توقعات النمو الاقتصادي، الذي لن يصل 2 % في 2025-2026، حيث توقعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنحو النصف، مقارنة بعام 2024؛ بسبب زيادة تكلفة التجارة وتراجع الاستثمار.
إن تراجع قدرة الاقتصاد الأميركي، والدولار، عن التنافسية في ظل توترات الساحة الدولية، وحرب روسيا-أوكرانيا، وحرب الإبادة في غزة، وما رافق ذلك، من توترات في منطقة الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، واستنزاف الخزينة الأميركية في حروب الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الأولى إلى اليوم بما يناهز 8 تريليونات دولار، وانكماش الاقتصاد العالمي، يجعل من حرب "البترودولار" حربا لا هوادة فيها من أجل حماية الرأسمالية الاحتكارية والتفوق الغربي.
ولذلك، فرغم أن الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد عالمي، فإنها تواجه ضغوطا داخلية واضحة على الصعيد الاقتصادي، مما يجعل سياساتها الخارجية، منصبة أساسا على محاولة الخروج من هذه الأزمة عبر تعزيز نفوذها وتوسيع شبكة مصالحها.
لقد أدى بروز الصين وروسيا كقوى اقتصادية وتجارية كبرى إلى خلق قطب موازن للنفوذ الأميركي، فالصين استثمرت في مشاريع بنى تحتية عملاقة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وروسيا حافظت على نفوذها العسكري والسياسي في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وهو تنافس يجعل السياسة الخارجية الأميركية أكثر شراسة في بعض المجالات محاولة تقويض التحالفات التي تبدو موازية لقوتها.
لكن ذلك، مما لا شك فيه، سيؤثر على العلاقات الدولية واستقرار النظام الدولي متعدد الأقطاب، فإذا كانت الرأسمالية الاحتكارية، تشير إلى سيطرة عدد محدود من الشركات الكبرى على الأسواق والموارد العالمية، وهي تتداخل مع سياسات الدول العظمى لتحقيق مصالحها، فإن التدخلات العسكرية والسياسية تعد في العمق مجرد أدوات في خدمة شبكات اقتصادية احتكارية، بدل أن تكون داعمة للديمقراطية أو الأمن والازدهار العالمي. وهو ما كشفه بشكل واضح تقرير فرانشيسكا ألبانيزي حول اقتصاد الحرب.
إن ما حصل في فنزويلا، وما سيترتب عن ذلك من توتر في المنطقة والعالم، لا يعود بشكل أحادي إلى التدخل الأميركي الخارجي، بقدر ما يجد في المناخ السياسي الفنزويلي الداخلي بعض عناصر الجواب، فقد تراجع الإنتاج بشدة من 3.5 ملايين برميل يوميا في أواخر التسعينيات إلى أقل من مليون برميل في 2025 نتيجة الإدارة السيئة، والعقوبات الأميركية، وتراجع الاستثمارات، خاصة بعد استكانة النظام إلى اقتصاد الريع، من خلال الاعتماد الكلي على النفط من جهة، واستشراء الفساد الإداري والمالي والسياسي في مفاصل السلطة والحكم بهذا البلد، مما جعل معظم الشعب الفنزويلي يعيش أزمات اجتماعية خانقة، من بين تجلياتها تفضيل أزيد من مليون فنزويلي الإقامة المؤقتة في بلدان أخرى من قبيل بيرو، والبرازيل، والأرجنتين، والإكوادور…إلخ، نتيجة ارتفاع معدلات الفقر بشكل مهول.
إذ تقدر الإحصائيات الرسمية أن نسبة 50% تعاني من فقر مدقع، في حين تصل إلى أزيد من 70% وفق إحصائيات غير رسمية. وهو ما شجع المعارضة داخليا وخارجيا على رفض طبيعة النظام، وتهيئة الشروط الموضوعية للتدخل الأميركي.
3- السياسة الأميركية الخارجية: من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، استغلت الولايات المتحدة الفراغ الجيوسياسي لتبني سيطرة إستراتيجية على مناطق حساسة، بداية في أميركا اللاتينية، حيث عملت على دعم تحالفات سياسية واقتصادية تكرس هيمنة الدولار على التبادلات التجارية، المجحفة أصلا، خاصة بعد أن عرفت مختلف جغرافيات أميركا اللاتينية حركات مقاومة مناهضة للرأسمالية الاحتكارية والاستعمار، وهو ما نتج عنه، تغيير توجهات بعض الأنظمة نحو الاتحاد السوفياتي سابقا، ووريثها الشرعي، روسيا اليوم.
ومن الطبيعي، أن تشتغل الإستراتيجية الأميركية الخارجية في سياستها الخارجية بالمنطقة وفق دواعي الأمن القومي، الذي يشكل فيه الاقتصاد أولوية قصوى.
أما في الشرق الأوسط، فقد حافظت الولايات المتحدة على علاقات وثيقة مع الدول المنتجة للنفط، وتدخلت في صراعات محلية لتحقيق تحالفات مواتية سياسيا واقتصاديا، مما رسخ بشكل شبه كلي التبعية الاقتصادية والسياسية.
بيد أن تحولات المنطقة، خاصة في ظل الصراع العربي الإسرائيلي، والتمدد التوسعي لإسرائيل في المنطقة، وتقارب بعض دول المنطقة مع الصين، بالإضافة إلى الحضور الروسي الكلاسيكي، والاختلاف العربي- الأميركي- الإسرائيلي حول مناطق التوتر ذات الصلة في فلسطين، وسوريا، والسودان، والصومال، واليمن، يجعل كل ذلك من المحتمل، أن تتأثر بلدان المنطقة بما حدث في فنزويلا، ويضعها أمام ثلاثة خيارات:
إما المضي في الانخراط غير المشروط في التبعية للرأسمالية الاحتكارية، مما يجعلها، كما هو حال الدول ذات الاقتصادات الضعيفة، مضطرة لقبول شروط القروض والمشاريع الاستثمارية، وتفقد بالتدريج استقلال قرارها الاقتصادي وقدرتها السيادية على المستوى السياسي.
أو تعلن رفضها نظام الرأسمالية الاحتكارية، وتنتصر لقراراتها السيادية، وهو ما قد يسبب لها تدخلات مباشرة، تطال الأنظمة، كما الشعوب.
أو تتجه، وفق رؤية عربية مشتركة، نحو تجويد شروط تفاوضها المستقبلي، فيما يخص تحقيق تنمية حقيقية، تمكنها من التفكيك التدريجي للتبعية، عبر تنويع الشركاء والانفتاح على التكتلات الاقتصادية الكبرى، وفرض شروطها الموضوعية لحل الصراع العربي-الإسرائيلي على قاعدة الحقوق التاريخية والشرعية للشعب الفلسطيني، مع الحرص على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، وهذا الخيار هو الأنسب على المستوى الإستراتيجي، خاصة في ظل تراجع احترام القانون الدولي وضعف الأمم المتحدة.
على سبيل الختم:
أمام العالم العربي فرصة تاريخية لإعادة بناء إستراتيجية موحدة تستند إلى تنويع التحالفات الاقتصادية والسياسية، بعيدا عن الثنائيات التقليدية، مع الحفاظ على سيادة القرار الوطني واحترام القانون الدولي.
فالشرق الأوسط، في ظل رؤية إستراتيجية عربية موحدة، بما تقتضيه من نبذ الخلافات وسوء الفهم بين بعض دوله، يمكنه العمل على تعزيز التكامل الاقتصادي العربي، والاعتماد على الشبكات متعددة الأطراف لتقليل التبعية للرأسمالية الاحتكارية الغربية، دون تعريض استقرار المنطقة للخطر، وتجاوز الأزمة التي يمر منها العالم والمنطقة بسلام، وهو ما يجب أن يبدأ بحوار عربي-عربي حقيقي، أساسه احترام سيادة الدول، والرفض المطلق لتقسيم المنطقة، والنيل من وحدة بلدانها.

