في أقل من أيام، انتقل خطاب حكومة مصطفى مدبولي من الفخر بـ صادرات ذهب تبلغ 6 مليارات دولار، إلى الحديث عن "اللجنة العليا للذهب" و"مصفاة ذهب مصرية" و"تعظيم القيمة المضافة" و"منع تهريب جرام واحد خارج المنظومة".
على الورق، تبدو الصورة خطة متكاملة: لجنة برئاسة رئيس الوزراء، وتشريعات جديدة، ومصفاة قومية، وحديث عن تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة الذهب وتجارته. لكن حين نضع هذه الوعود بجوار الواقع: إنتاج لا يتجاوز نحو 20 طنًا سنويًا (640 ألف أونصة)، واقتصاد مأزوم بدين خارجي متضخم، وهيمنة مؤسسات مغلقة على ثروات التعدين؛ يصبح السؤال الحاد لا مفرّ منه: هل نحن أمام إصلاح حقيقي لملف الذهب، أم محاولة لإعادة تغليف السيطرة على هذا الملف بلغة "الحوكمة" و"القيمة المضافة"؟
من أرقام التصدير إلى «اللجنة العليا».. نفس السياسة بوجه جديد؟
تصريحات وزير الاستثمار السابقة عن وصول صادرات الذهب إلى 6 مليارات دولار، قُدِّمت كدليل على "نجاح" قطاع المعادن النفيسة، دون توضيح كافٍ للفارق بين الذهب المنتج محليًا والذهب الذي يدخل ضمن عمليات إعادة تصدير أو منتجات مالية قائمة على المعدن، وهي فجوة تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول حقيقة هذا "الإنجاز".
اجتماع مصطفى مدبولي الأول للجنة العليا للذهب، بقرار من السيسي، جاء ليضيف طبقة تنظيمية جديدة: لجنة تضم محافظ البنك المركزي، ووزراء الصناعة والبترول والاستثمار والتموين والمالية، إلى جانب جهات رقابية كجهاز حماية المنافسة ووحدة مكافحة غسل الأموال. الخطاب الرسمي يتكرر: تعظيم القيمة المضافة، منع تصدير الخام، حوكمة السوق، دعم الاستخراج والتصنيع والتداول.
لكن التجربة المصرية مع "اللجان العليا" و"المجالس القومية" لا تبعث على الاطمئنان؛ فقد اعتدنا أن تتحول كثير من هذه الكيانات إلى مظلة سياسية تبرر ما هو قائم، أكثر من كونها أداة لتغيير قواعد اللعبة. نفس الوجوه التي أشرفت على سياسات أوصلت الاقتصاد إلى فخ الديون وتوسّع اقتصاد الجهات السيادية، تعود اليوم لتدير ملف الذهب، هذه المرة تحت عنوان "إحكام الرقابة"، بينما لم تُقدَّم حتى الآن أي خطة شفافة تربط بين هذه التحركات وبين تحسين حقيقي في حياة المصريين أو تخفيف أعباء الدَّين.
مصفاة ذهب قومية.. قيمة مضافة أم مركز مُحكم لتجميع الريع؟
المشروع الأبرز في هذا التحرك هو "مصفاة الذهب المصرية". وفق ما عُرض في الاجتماع، ستتولى المصفاة تنقية الذهب الخام ليرتقي إلى المعايير الدولية، وتقديم خدمات التصفية لدول الجوار، وتعزيز احتياطيات البنك المركزي، مع دراسة 3 مواقع محتملة لإقامتها. على الورق، يبدو هذا حلمًا منطقيًا؛ فالدول التي تحترم ثرواتها لا تُصدِّر خامًا وتستورد منتجًا نهائيًا.
رئيس شعبة الذهب بغرفة القاهرة التجارية، هاني ميلاد، اعتبر القرار "قويًا ومهمًا اقتصاديًا"، وربطه بالتحول العالمي إلى الذهب كملاذ آمن بديلًا عن الدولار، مشددًا على أن موقع مصر بين دول إفريقية غنية بالمناجم يمنحها فرصة لتكون مركزًا إقليميًا للصناعة والتداول. بينما شدّد رفيق عباس، الرئيس السابق لشعبة الذهب باتحاد الصناعات، على أن تصفية الذهب داخل مصر بمصفاة معتمدة دوليًا ستمنع ضياع جزء كبير من القيمة المضافة التي كانت تُلتهم في الخارج، وتسمح بدمجه في الاحتياطي النقدي رسميًا.
كل ما سبق كلام سليم نظريًا، لكن السؤال الذي يتجنّبه الجميع: من الذي سيمسك بمفاتيح هذه المصفاة؟
إذا انتهى الأمر إلى منشأة تتحكم فيها نفس الشبكات التي تهيمن اليوم على مناجم الذهب والتعدين – من شركات مرتبطة بمؤسسات سيادية وبنوك رسمية – فسنكون أمام تركُّز غير مسبوق للثروة والقرار في يد دائرة أضيق، تحت لافتة "مشروع قومي".
مصفاة الذهب يمكن أن تكون رافعة حقيقية للاقتصاد، إذا فُتحت شراكاتها للمنافسة، وارتبطت بتوسيع طاقات التصنيع المحلي، ومنح فرص عادلة للقطاع الخاص الوطني، وربطت عوائدها بالموازنة العامة بوضوح. ويمكن في المقابل أن تتحوّل إلى محبس مركزي تمرّ عبره كل أونصة، دون أن يرى المواطن من ورائها شيئًا سوى أرقام تتلى في بيانات الحكومة.
حوكمة على الورق.. والشفافية الغائبة عن مليارات المعدن الأصفر
مدبولي وجّه، في ختام الاجتماع، بإعداد حزمة تشريعات لتطوير مصلحة الدمغة والموازين، ووضع قواعد جديدة لحوكمة تداول الذهب، بما في ذلك مكافحة التداول غير الشرعي والتهريب. مرة أخرى، تبدو اللغة مطمئنة: حوكمة، رقابة، تنظيم. لكن التجربة تقول إن كل منظومة رقابية بلا شفافية ولا مساءلة شعبية تتحوّل إلى أداة انتقائية: صارمة مع الصغار، رخوة مع الكبار.
هنا يتقاطع هذا الملف مع ما سبق أن ناقشناه عن طفرة الصادرات الذهبية: 6 مليارات دولار تعلنها الحكومة، في مقابل إنتاج محلي محدود نسبيًا، وغياب بيانات تفصيلية حول:
- كم طنًا يخرج من كل منجم؟
- ما نسب تقاسم الأرباح بين الدولة والشركات المحلية والأجنبية؟
- كيف تُستخدم حصيلة الصادرات في الموازنة؟ لسداد ديون؟ لتمويل مشروعات محددة؟ أم لتغذية صناديق وهيئات لا تخضع لنفس مستوى الرقابة البرلمانية والقضائية؟
حين يقول المسؤولون إن إنشاء اللجنة العليا ومصفاة الذهب "لن يؤثر على الأسعار المحلية" لأنه مجرد إجراء تنظيمي، فهم يقرّون ضمنيًا بأن المستفيد الأول من هذه المنظومة لن يكون المستهلك، بل الدولة والأطراف المرتبطة بها. هاني ميلاد ورفيق عباس كلاهما أكدا أن القرار تنظيمي لا علاقة له بتسعير الذهب داخليًا، وأن أثره "اقتصادي وتنموي للدولة" بالدرجة الأولى.
إذا أُريد لهذا التحرك أن يكون خطوة إصلاح حقيقية، فالمطلوب ليس فقط لجنة جديدة ومصفاة قومية، بل:
- نشر بيانات ربع سنوية عن الإنتاج والتصدير والعقود.
- إخضاع كل الكيانات العاملة في الذهب – بما فيها الجهات السيادية – لنفس معايير الإفصاح والضرائب.
- ربط جزء واضح من عوائد الذهب ببرامج اجتماعية مباشرة، حتى يشعر الناس أن الذهب ليس مجرد رقم في بيان حكومي، بل ثروة وطنية تعود عليهم.
أما إذا بقي الأمر عند حدود "لجنة عليا" جديدة و"مصفاة" تُدار بعقلية الغرف المغلقة، فسنكون أمام فصل آخر من فصول تحويل كنوز هذا البلد إلى ملف مغلق لصالح القلة، بينما يُطلب من الأغلبية أن تصبر على الغلاء وتصفّق للإنجازات الورقية.

