في تطور لافت على مسار ترتيبات "اليوم التالي" في قطاع غزة، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ترحيبه بتشكيل «اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة»، معتبرًا الخطوة استجابةً للحاجة إلى معالجة الواقع الإداري والخدماتي المنهك بفعل العدوان، وبما ينسجم مع أولوية وقف الحرب وحماية المدنيين وتخفيف الكارثة الإنسانية.

 

لكن خلف لغة الترحيب الرسمية، تبرز أسئلة جوهرية حول شكل السلطة الجديدة، وحدود دور الفصائل، وآليات انتقال الصلاحيات في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا في المنطقة.

 

ترحيب رسمي واستعداد كامل للتسليم والاستلام

 

بيان المكتب الإعلامي الحكومي حمل لهجة إيجابية واضحة تجاه اللجنة الوطنية، مؤكدًا الجهوزية الكاملة لنقل الصلاحيات ذات الصلة، واستعداد المؤسسات في غزة لإجراءات التسليم والاستلام بما يضمن انتقالًا سلسًا ومنظمًا في العمل المؤسسي، ويصون حقوق المواطنين والموظفين، ويُبقي الخدمات الأساسية مستمرة دون انقطاع.

 

البيان شدّد على أن العمل الحكومي والخدمي مستمر بصورة منتظمة رغم الظروف الاستثنائية، وأن الوزارات والبلديات والدوائر المختصة تواصل تشغيل المرافق الحيوية قدر الإمكان، من صحة وتعليم ومياه وبلديات ودفاع مدني، مع تأكيد خاص على جاهزية الموظفين للتعاون الكامل مع اللجنة الوطنية "بما يخدم الصالح العام".

 

بهذا، تحاول حكومة غزة أن تبعث برسالة مزدوجة: من جهة، إبداء مرونة سياسية واستعداد لتحمّل مقتضيات المرحلة الجديدة؛ ومن جهة أخرى، التأكيد على أنها ما زالت تمسك بخيوط الإدارة اليومية، وأن أي انتقال لن يتم خارج الأطر المؤسسية القائمة.

 

تعليمات من «حماس» وهيئة تكنوقراط.. بين التفويض والقلق

 

على الجانب السياسي، سبقت هذا الترحيب الرسمي تعليمات صادرة عن حركة حماس للمؤسسات الحكومية في القطاع بتسليم المهام إلى هيئة تكنوقراط فلسطينية شُكّلت مؤخرًا، من دون إعلان جدول زمني محدد لتسلّم اللجنة مهامها فعليًا داخل غزة.

 

أعضاء اللجنة الوطنية يتواجدون حاليًا في القاهرة، حيث يبحثون خطط الإغاثة وآليات تنفيذ التفويض المعلن، في وقت تتحدث فيه المعلومات المتداولة عن نية اللجنة الاستعانة بطواقم الصحة والتعليم والشرطة والدفاع المدني في غزة لضمان استمرار الخدمات، مع بحث برنامج تقاعد لفئات من الموظفين الحاليين، إلى جانب استقدام موظفين يتبعون للسلطة الفلسطينية.

 

مع ذلك، لا يزال الموقف الرسمي لحركة حماس من هذه الترتيبات غير معلن بالكامل؛ فلا تفاصيل واضحة حول حدود التفويض السياسي، أو طبيعة العلاقة بين اللجنة الوطنية والفصائل، أو شكل الرقابة على عملها. وهذا يفتح الباب لتساؤلات واسعة: هل نحن أمام نقل فعلي للسلطة التنفيذية إلى هيئة مستقلة، أم إعادة توزيع للأدوار داخل المشهد الفلسطيني نفسه تحت ضغط الحرب والظروف الإقليمية؟

 

تسليم متوقَّع خلال أيام.. وتحديات ثقيلة في الطريق

 

مصادر فلسطينية مطلعة تحدّثت عن توقعات ببدء أولى عمليات تسليم المهام خلال هذا الأسبوع إذا سارت الأمور وفق المخطط، لكن من دون كشف عن تفاصيل الإدارات التي ستُسلم في المرحلة الأولى، أو آليات التنفيذ الميدانية في بيئة ما زالت تعاني من الدمار، والحصار، وغياب الحد الأدنى من مقومات الحياة.

 

التحديات أمام اللجنة الوطنية تبدو ضخمة؛ فهي مطالَبة في وقت واحد بـ:

 

- إعادة تنظيم الجهاز الإداري والخدمي،

 

- طمأنة عشرات الآلاف من الموظفين على حقوقهم ومستقبلهم،

 

- ضمان استمرار الخدمات في ظل دمار هائل في البنية التحتية،

 

- والحفاظ على توازن سياسي حساس بين القوى الفلسطينية المختلفة.

 

وفي حين يقدّم المكتب الإعلامي في غزة صورة لانتقال "هادئ ومنظم"، يبقى نجاح التجربة مرهونًا بقدرة اللجنة على تحويل هذا التفويض النظري إلى واقع ملموس، وبمدى التزام جميع الأطراف – في غزة وخارجها – بترك مساحة حقيقية لهيئة مدنية مهنية، لا أن تصبح اللجنة مجرد عنوان جديد لمرحلة قديمة، تتغير فيها الأسماء بينما تظل الأزمات على حالها.