طارق الزمر

رئيس مركز حريات للدراسات السياسية، ورئيس حزب البناء والتنمية سابقًا

 

منذ أكثر من عقد، تعيش المنطقة العربية حالة تعليق تاريخي بين مسارين متناقضين: مسار التغيير الذي انفجر مع ثورات 2011، ومسار الاستبداد والطغيان الذي عاد بقوة تحت لافتات "الحفاظ على الدولة" و"منع الفوضى". وبين المسارين، نشأت سردية واسعة الانتشار مفادها أن الثورات كانت خطأ مكلفا، وأن القبول بالاستبداد -مهما كان قاسيا- يظل أقل كلفة على الشعوب والدول. غير أن هذه السردية، على انتشارها، تتجاهل سؤالا أكثر عمقا: هل الاستبداد والطغيان فعلا خيار أقل تكلفة، أم أنه مجرد تأجيل باهظ الثمن لانفجار أكبر؟

 

لا خلاف على أن الثورات تحمل كلفة فورية وعالية نسبيا، فهي تهز البنية السياسية، وتربك الاقتصاد، وتدفع الاستثمارات إلى التريث أو الهروب، وتكشف هشاشة مؤسسات لم تُبنَ أصلا لإدارة التحول. وفي كثير من الحالات العربية، تضاعفت هذه الكلفة بسبب عنف الدولة العميقة، أو تدخلات إقليمية ودولية رأت في التغيير تهديدا لمصالحها. لكن ما يُغفل غالبا هو أن هذه الكلفة، رغم قسوتها، تظل مرتبطة بلحظة انتقالية محدودة زمنيا، لا بحالة دائمة.

 

فالتجارب التاريخية تُظهر أن تكلفة الثورات، حين تُدار بحد أدنى من الرؤية والقيادة والعقد الاجتماعي، تتراجع بمرور الوقت، وتتحول من خسائر اضطرارية إلى استثمار طويل الأمد في بناء الدولة. المشكلة لم تكن في الثورات ذاتها، بل في إجهاضها بالقوة، وتحويل مسارها إلى صدام صفري، وهو ما جعل بعض الدول تنزلق إلى الفوضى بدل الانتقال.

 

في المقابل، يبدو الاستبداد -للوهلة الأولى- أقل ضجيجا. فهو يوفر هدوءا أمنيا، واستقرارا شكليا، وقدرة على ضبط المجال العام. لكنه يفعل ذلك عبر أدوات مكلفة وغير مستدامة: القمع، وإلغاء السياسة، وتفريغ المجتمع من الفاعلية، وإعادة توزيع الموارد لصالح النخبة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الاستبداد لا يلغي تكلفة التغيير، بل يخزنها، ويضاعفها، ويدفع بها إلى المستقبل في صورة انفجار أعنف.

 

اقتصاديا، يُنتج الاستبداد نموذجا ريعيا هشا، يقوم على القروض، والمنح، والمشروعات الاستعراضية، بدل الإنتاج والتنافس. تنتشر فيه شبكات الفساد، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتتحول الدولة إلى كيان يعيش على الاستدانة بدل التنمية. اجتماعيا، يُفضي هذا المسار إلى هجرة العقول، واتساع الفجوة الطبقية، وانهيار الثقة بين المجتمع والدولة. أما سياسيا، فتتحول المؤسسات إلى واجهات شكلية، وتُستبدل الإدارة بالأمن، والشرعية بالخوف.

 

الأخطر من ذلك أن الاستبداد يُضعف الأمن القومي بدل أن يحميه. فالأنظمة القمعية لا تبني دولا محصنة بشعوبها، بل تبحث عن حماية خارجية تُبقيها في السلطة. وهكذا، تصبح الدولة أكثر عرضة للاختراق، والابتزاز، والتبعية. ما يبدو استقرارا في الحاضر، يتحول إلى هشاشة استراتيجية في المستقبل.

 

التاريخ الحديث يقدم مقارنة صارخة، فالدول التي واجهت كلفة التغيير، مثل دول أوروبا الشرقية بعد 1989، أو أمريكا اللاتينية في التسعينات، أو كوريا الجنوبية وتايوان، دفعت أثمانا اجتماعية واقتصادية مؤلمة، لكنها خرجت في النهاية أكثر قوة واستقرارا. في المقابل، الدول التي أجّلت التغيير بالقمع، شهدت انهيارات أعنف: إيران الشاه انتهت بثورة جذرية، ويوغوسلافيا تفككت دمويا، والاتحاد السوفييتي انهار دفعة واحدة. قمع الإصلاح لم يمنع الثورة، بل جعلها أكثر راديكالية حين وقعت.

 

في السياق العربي، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح. مصر بعد 2013 لم تنعم باستقرار اقتصادي حقيقي، بل دخلت دوامة ديون، وتراجع عملة، وهروب استثمار، وتبعية متزايدة. السودان دفع ثمن تعطيل الانتقال بحرب داخلية مدمرة، ولبنان انهار تحت نظام سلطوي مقنّع بالمحاصصة. تونس، التي كانت الاستثناء الديمقراطي، تدفع اليوم ثمن العودة إلى السلطوية بانكماش اقتصادي وجفاف سياسي وتراجع ثقة. فلا توجد حالة عربية واحدة نجح فيها الاستبداد الحديث في بناء تنمية مستدامة أو استقرار طويل الأمد.

 

السؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل الثورات مكلفة؟ بل: أيهما أكثر تكلفة تاريخيا؟ الفوضى المصاحبة للتغيير، أم الانهيار المتأخر الناتج عن قمعه؟ التجربة تقول بوضوح إن غياب الثورة هو الكلفة الأكبر، لأنه يُفقد المجتمعات فرصة الإصلاح التدريجي، ويدفعها نحو انفجار شامل بلا رأس ولا رؤية ولا عقد وطني.

 

هل توجد ثورات بلا فوضى؟ نعم، لكن بشروط؛ أولها عقد اجتماعي جديد لا يقوم على الإقصاء، ثانيها تحييد المؤسسة العسكرية عن السياسة، لتكون حامية للدولة لا لاعبا فيها، ثالثها إدارة تحول تدريجي للدولة العميقة، لا تدميرها ولا تركها تنقلب على المجتمع. هذه ليست وصفة مثالية، لكنها الدرس المستفاد من التجربة الأولى.

 

أمام الشعوب العربية اليوم خياران لا ثالث لهما: القبول بالاستبداد مقابل هدوء زائف ينتهي بانهيار مفاجئ، أو العودة العقلانية إلى مسار التغيير، مستفيدة من أخطاء الماضي، وبكلفة أقل مما يبدو. الطريق الثاني ليس سهلا، لكنه الوحيد الذي يفتح أفق الدولة الحديثة: دولة قانون، ومحاسبة، وتداول سلطة، وتنمية مستدامة.

 

في المحصلة، منح الاستبداد فرصة ثانية هو أغلى خطأ يمكن أن تُقدم عليه شعوب المنطقة. فالثورات العربية لم تفشل لأنها مستحيلة، بل لأنها سبقت استعداد منظومات السلطة للتغيير. واليوم، بعد أن سقطت الأساطير، وتعرّت أوهام "الاستقرار السلطوي"، يصبح التغيير المنظم أقل كلفة من الانتظار حتى تنهار الدول من الداخل. الثورة مكلفة، نعم، لكن غيابها يكلف أضعافا من الدم والمال والكرامة والهوية، والأمم التي تؤجل حريتها تدفع ثمنها لاحقا بفوائد مضاعفة.