يوجه الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، شباب الأمة أن يبدأوا واجبهم من تصحيح نظرتهم إلى الدين، وبناء فهمهم على منهج سليم، لا على قراءات سطحية أو تجميع نصوص متفرقة. لهذا نشأ علم أصول الفقه، ومعه قواعد أخرى في أصول التفسير والحديث، لضبط عملية الاستنباط وربط الأحكام بجذورها ومقاصدها. فمعرفة الشريعة لا تكون بالجزئيات المعزولة، بل بردّ الفروع إلى الأصول، والمتشابه إلى المحكم، والظني إلى القطعي، مع فهم مقاصد الشريعة وسياقات النصوص، كما قرر الشاطبي. ومن هنا تأتي أمثلة الجلباب ورباط الخيل والأكل باليد؛ لبيان الفرق بين الوسائل المتغيرة والأحكام الثابتة.
كما يميز القرضاوي بين تشدد الفرد على نفسه، وهو محتمل، وبين فرض هذا التشدد على مجتمع ودولة معاصرة؛ إذ لا يمكن إلغاء التصوير أو التلفاز أو أدوات العصر بحجة التحريم المطلق، مع حاجة الدولة للوثائق والإعلام. المطلوب فقه ناضج يراعي تنوع الناس وحاجاتهم، ويستحضر توجيه النبي: «من أمّ الناس فليخفف»، ليكون خطاب الشريعة رحيمًا واقعيًا، لا حرج فيه ولا تمييع.
تمهيد: بداية الإصلاح من تصحيح النظرة
يبدأ واجب الشباب تجاه دينهم من لحظة تصحيح نظرتهم وتقويم أفكارهم، حتى يعرفوا الإسلام على بصيرة ويفقهوه عن بينة. فالمطلوب ليس مجرد عاطفة دينية مندفعة أو حماس عابر، بل فقه واعٍ ومنهج سديد في الفهم والتطبيق، يُقيم علاقة الشاب بنفسه وبالناس وبالحياة على أساس صحيح من الدين. ومن هنا تأتي أهمية سلامة المنهج في فهم النصوص، وربط الجزئيات بالكليات، والوقائع بالمقاصد، بعيدًا عن القراءات الفجّة والفهم السطحي.
أولًا: علم أصول الفقه… إطار للفهم الرشيد للدين
حرص علماء الأمة على وضع القواعد والضوابط التي تحفظ حسن الفهم والاستنباط، سواء في المسائل التي ورد فيها نص صريح أو تلك التي لم يرد فيها نص. ومن هنا نشأ علم أصول الفقه؛ ذلك العلم الذي يُعنى بالتفكير الإسلامي في استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية، فيبحث في الحكم والحاكم والمحكوم به والمحكوم عليه، وفي الأدلة الأصلية والتبعية، وفي دلالات الألفاظ: الأمر والنهي، العام والخاص، المطلق والمقيّد، المنطوق والمفهوم، كما يبحث في مقاصد الشريعة وما جاءت به من رعاية المصالح ودرء المفاسد، وتقسيم المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية.
إلى جانب أصول الفقه “الرسمية” هناك قواعد وضوابط أخرى مبثوثة في كتب أصول التفسير وعلوم القرآن، وفي كتب الحديث ومصطلحه، بل وفي كتب العقيدة والتفسير والفقه وشروح الحديث، يلتقطها من كان له بصر بالشريعة وأسرارها. هذه الشبكة المتكاملة من القواعد تجعل الفقه الإسلامي علماً فريدًا يحق للمسلمين أن يفخروا به، إذ لا نظير له عند الأمم الأخرى، وتجعله في الوقت نفسه السياج الواقي من الفهم السطحي والقراءة المبتسرة للنصوص.
ثانيًا: فقه الكليات قبل الغرق في الجزئيات
لا تتحقق معرفة الشريعة بمجرد تجميع النصوص الجزئية متفرقة، بل لا بد من رد الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات، والمتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات، حتى يتكوّن نسيج متماسك، مرتبط بعضه ببعض. أما من يلتقط حديثًا واحدًا أو نصًا منفردًا، ثم يبني عليه حكمًا ويُهمل بقية النصوص والهدي النبوي العام وهدي الصحابة والأصول القرآنية والمقاصد الكلية؛ فإنه لا يسلم من الخلل والاضطراب، بل يعرض الشريعة لطعن الطاعنين وسخرية الساخرين.
لذلك اشترط الإمام الشاطبي في “الموافقات” لتحصيل درجة الاجتهاد أن يتحقق في المجتهد وصفان:
- فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
- التمكن من الاستنباط بناء على هذا الفهم.
وهذا لا يكون إلا بسعة الاطلاع على النصوص، ومعرفة أسباب ورودها وملابساتها والغايات المتوخاة منها، والقدرة على التمييز بين ما هو عام خالد وما هو مرتبط بعرف أو ظرف أو مصلحة متغيرة. ومن الأمثلة التي تُظهر فقه الكليات:
قضية الجلباب: النص القرآني ذكر الجلباب لأنه الوسيلة المتاحة آنذاك لتحقيق الستر والتمييز (يدنين عليهن من جلابيبهن)، لكن الغاية هي الستر والانضباط والوقار، فإذا تحقق ذلك بلباس آخر ساتر فلا حرج، كما أن “رباط الخيل” في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) لا يمنع استبداله اليوم بالدبابات والطائرات والأسلحة الحديثة ما دامت تحقق المقصد ذاته.
التفريق بين التشريعي وغير التشريعي في السنة: كالتفريق بين الأكل باليد – وهو عادة حياتية – وبين الأكل باليمين الذي جاء به أمر صريح وتشريع واضح، أو بين طريقة اللباس في عهده ﷺ وبين أصل العفة والستر، أو بين استعمال المناخل وعدمها… فليست كل تفاصيل العادات ميدانًا للتشدد والاتهام بالبدعة.
ثالثًا: بين تشدد الأفراد وفقه الدولة والمجتمع
يؤكد النص على أن ما يحتمله “سلوك الفرد” لا يمكن بالضرورة فرضه على “المجتمع والدولة”. فقد يشدد المرء على نفسه، فيحرّم على نفسه الموسيقى مطلقًا، أو يمنع التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، أو يبالغ في تضييق باب المباحات، وهذا اجتهاده الشخصي يتحمل مسؤوليته، ما دام لا يفرضه على غيره.
لكن الخطر يبدأ حين يُراد فرض هذه النظرة المتشددة على دولة معاصرة ومجتمع واسع متنوع؛ فهل يمكن تصور صحافة معاصرة بلا صور؟ أو أجهزة أمن وجوازات وبطاقات هوية بلا تصوير؟ وهل تستطيع دولة أن تقاطع وسائل الإعلام المرئية بالجملة بدعوى تحريم التصوير وهي تعيش في عالم متشابك لا يمكن الانعزال عنه؟
من هنا تأتي أهمية التمييز بين:
- الاختيار الشخصي المتشدد الذي يمكن احتماله.
- والفقه العام الذي يتوجه إلى المجتمع كله بمختلف فئاته ومستوياته، ويجب أن يراعي الضعيف والمريض وذي الحاجة، ويقدّر الحاجات البشرية والمصالح الاجتماعية، ويستحضر توجيه النبي ﷺ: “من أمّ الناس فليخفّف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة”.
هذا التوجيه وإن ورد في إمامة الصلاة، إلا أن فحواه يمتد إلى كل من يقود الناس: في التشريع، والفتوى، والسياسة الشرعية، وبناء المؤسسات. فالدولة المسلمة المعاصرة مطالبة بفقه نير، يُدرك تعقيد العالم وتنوع الناس، ويوازن بين النصوص ومقاصدها، وبين المثال الأعلى والواقع الممكن، حتى لا يتحول الدين إلى تشدد يعجز الناس عن حمله، ولا إلى تفريط يفقده روحه وهويته.
فقه واعٍ وشباب يبصرون الطريق
خلاصة واجب الشباب اليوم أن يطلبوا فقهًا واعيًا لا يتحرك بردود الأفعال، ولا يقف عند ظواهر النصوص، ولا يجزّئ الشريعة إلى شتات من الأوامر المتفرقة، بل يربط الجزئيات بالكليات، والنصوص بالمقاصد، وأحكام الأفراد بحاجات المجتمع والدولة. فبهذا الفقه فقط يمكنهم أن يستأنفوا حياة إسلامية متوازنة، تعيش عصرها دون أن تتخلى عن هويتها، وتحفظ الدين دون أن تثقل على الناس بما لم يكلّفهم الله به.

