في اليوم الـ103 على التوالي من خرق اتفاق وقف إطلاق النار، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تصعيده العسكري في قطاع غزة، محولًا الهدنة المعلنة إلى مجرد نص بلا مضمون، فيما تتراكم المآسي الإنسانية والصحية لتضع أكثر من مليوني فلسطيني أمام مشهد مركب من الموت البطيء والسريع في آن واحد.
خروقات دامية للتهدئة
مع ساعات الفجر الأولى، استشهد خمسة مواطنين فلسطينيين بنيران وقصف قوات الاحتلال، في سلسلة اعتداءات جديدة طالت مناطق متفرقة من القطاع.
وأفاد مصدر طبي بوصول أربعة شهداء إلى مستشفى الشفاء، إثر قصف مدفعي استهدف مواطنين قرب سوق السيارات شرق حي الزيتون جنوب مدينة غزة، في منطقة مكتظة بالسكان.
وقبل ذلك، أعلن جهاز الإسعاف والطوارئ استشهاد مواطن برصاص قوات الاحتلال قرب دوار بني سهيلا شرق خان يونس، خارج مناطق الانتشار المعلنة للاحتلال، في خرق واضح لبنود التهدئة.
كما نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف واسعة للمباني السكنية فجر الخميس، داخل مناطق انتشارها العسكري شرقي خان يونس، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف من الطيران المروحي، ما أثار حالة من الذعر بين الأهالي والنازحين في المناطق الغربية.
ولم تتوقف الاعتداءات عند الجنوب، إذ أطلقت آليات الاحتلال نيرانها الرشاشة شرق مخيم البريج وسط القطاع، بينما شن الطيران الحربي غارات جوية عنيفة على المناطق الشمالية، في حين أكد سكان محليون سماع إطلاق نار كثيف شرق حي الشجاعية بمدينة غزة.
حصيلة ثقيلة رغم “الهدنة”
أمس الأربعاء، شهد القطاع تصعيدًا داميًا أسفر عن استشهاد 11 مواطنًا، بينهم ثلاثة صحفيين مصريين وثلاثة أشقاء، إضافة إلى امرأة وطفلين أحدهما برفقة والده. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، ارتقى 481 شهيدًا، بينهم 168 طفلًا و65 امرأة، فيما أصيب 1279 آخرون، في أرقام تعكس هشاشة أي حديث عن تهدئة حقيقية.
غزة.. ساحة موت صحي
بالتوازي مع القصف، يواجه القطاع خطرًا صحيًا متفاقمًا يتمثل في انتشار واسع للأوبئة والأمراض التنفسية، مع تسجيل إصابات بمتحور جديد وشديد العدوى من فيروس كورونا. ويضرب هذا المتحور أجسادًا أنهكها الحصار والتجويع وسوء التغذية، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.
مدير عام مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، أكد أن المستشفيات تشهد انتشارًا واسعًا لمتحور جديد من كورونا، مصحوبًا بأعراض تنفسية حادة وارتفاع كبير في درجات الحرارة، موضحًا أن ضعف المناعة الناتج عن المجاعة يجعل هذا المتحور أكثر شراسة من سابقاته.
وأشار إلى أن أقسام العناية المركزة تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، وسط نقص حاد في الأدوية وأجهزة التنفس والمحاليل، محذرًا من كارثة صحية شاملة في حال استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل.
الأطفال في قلب الخطر
من جهته، قال رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، إن القطاع يشهد تفشيًا غير مسبوق للأمراض التنفسية بين الأطفال، خصوصًا الالتهابات الرئوية الحادة، مع تسجيل نسب إشغال تجاوزت الحدود الآمنة في أقسام العناية المكثفة.
وأوضح أن غياب اللقاحات الأساسية، وسوء التغذية، وتلوث البيئة، وانتشار مياه الصرف الصحي، خلقت بيئة مثالية لتكاثر الفيروسات، محذرًا من موجة وفيات أوسع إذا لم يتم إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية واللقاحات بشكل عاجل.
مأساة البرد القارس
وفي فصل آخر من المأساة، توفي الطفل الرضيع علي أبو زور، البالغ من العمر ثلاثة أشهر، داخل خيمة نزوح عائلته، متأثرًا بالبرد القارس وانعدام وسائل التدفئة. وتأتي هذه الوفاة في ظل تحذيرات متكررة من المؤسسات الطبية والإنسانية من خطورة الظروف المناخية على الأطفال الرضع وكبار السن، مع نقص الأغطية والخيام ومواد الإيواء.
استهداف الصحافيين.. جريمة متعمدة
وفي سياق متصل، شيّع الصحافيون في خان يونس جثامين زملائهم الثلاثة: عبد الرؤوف شعت، ومحمد صلاح قشطة، وأنس غنيم، الذين استشهدوا في غارة إسرائيلية استهدفت مركبتهم أثناء أداء عملهم الميداني. وأكدت نقابة الصحافيين الفلسطينيين أن الاستهداف متعمد ويهدف لمنع توثيق الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وشدد نائب نقيب الصحافيين، تحسين الأسطل، على أن قتل الصحافيين جريمة حرب وفق القانون الدولي، داعيًا المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيقات جدية وإصدار مذكرات توقيف بحق المسؤولين عن هذه الجرائم.
تحذيرات دولية بلا ترجمة عملية
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” حذر من أن ظروف الشتاء تعمق المأساة الإنسانية، مؤكدًا وفاة أطفال بسبب انخفاض حرارة الجسم، وداعيًا إلى إدخال مواد التدفئة ومصادر الطاقة.
ورغم بعض الجهود الإغاثية، لا يزال أكثر من 1.3 مليون فلسطيني نازحين في ظروف قاسية، فيما يعاني قطاع المياه من تعطّل نحو 70% من إنتاجه في مدينة غزة.

