يكشف الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، أنه يثور الخلاف بين المتدينين اليوم حول مسائل فقهية جزئية، فيتحول – في كثير من الأحيان – إلى خصومة وشحناء، وربما إلى تبديع وتفسيق وتكفير، وكأن كل مسألة فرعية في الدين هي من “ثوابت العقيدة” أو من “المعلوم من الدين بالضرورة”.

 

القرضاوي يذكّر بحقيقة جوهرية يغفل عنها كثير من طلاب العلم والدعاة، وهي: فقه مراتب الأحكام، وفقه أدب الخلاف؛ أي إدراك أن الأحكام الشرعية ليست كلها في درجة واحدة من حيث الثبوت والدلالة، وبالتالي ليست في درجة واحدة من حيث جواز الاختلاف، وأن مساحة ما يسوغ فيه التعدد والاجتهاد أوسع بكثير مما يتصوره المتشددون في “مدرسة الرأي الواحد”.

 

مراتب الأحكام: ليس كل ما نختلف فيه يُكفَّر من يخالفه

 

أول ما يؤكده الكاتب أن فهم مراتب الأحكام من أعظم ما يحتاجه المتدينون:

 

هناك أحكام قطعية ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع، وصلت إلى اليقين، تمثّل وحدة فكرية وسلوكية للأمة، ومن خالفها خالف السنة ووقع في البدعة أو الفسق، وقد ينتهي إلى الكفر إذا جحدها عنادًا.

 

وهناك أحكام معلومة من الدين بالضرورة؛ يعرفها الخاص والعام، كوجوب الصلاة والزكاة، وتحريم الزنا والخمر. من أنكرها يكفر بغير خلاف؛ لأنها تكذيب صريح لله ورسوله.

 

وفي المقابل، هناك أحكام ظنية في الثبوت أو الدلالة أو كليهما، وهي مجال الاجتهاد وتعدّد الفهم، وهي الغالب على أبواب الفقه العملي، بخلاف مسائل العقيدة التي لا يقوم فيها إلا القطع واليقين.

 

الخطأ الكبير أن يُوضَع كل ذلك في سلة واحدة، فيُعامَل من خالف رأيًا اجتهاديًا – اشتهر بين طلاب العلم أو في الكتب – كما يُعامَل من أنكر أصلًا من أصول الدين. هنا يقع بعض المتحمسين في آفة: لا يميزون بين:

 

  • أصل وفرع،
  • نص واجتهاد،
  • قطعي وظني،
  • وضروري وغير ضروري.

 

فينتهون إلى إلصاق الكفر أو الفسق أو البدعة بكل من خالف اجتهادهم، فيسقطون في ظلم للعلماء، وظلم للخلق، وظلم لحقيقة الشريعة نفسها.

 

الخلاف الفقهي رحمة… ومساحة الاجتهاد أوسع مما نظن

 

يذكّر النص بأن الاختلاف في الأحكام الفرعية العملية الظنية لا ضرر فيه ولا خطر منه إذا بُني على اجتهاد شرعي صحيح، بل هو:

 

  • رحمة بالأمة،
  • ومرونة في الشريعة،
  • وسعة في الفقه.

 

وقد اختلف أصحاب النبي ﷺ في مسائل متعددة، ومع ذلك لم تمسّ هذه الخلافات أخوتهم ولا وحدتهم. المثال الشهير: قصة صلاة العصر في بني قريظة؛ فريق فهم الأمر على ظاهره “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة”، فأخّر الصلاة حتى وصل، وفريق فهم المقصود سرعة المسير فصلى في الطريق. النبي ﷺ لم يُنكر على أيٍّ من الفريقين، مع أن أحدهما لا بد أن يكون مخطئًا؛ ليُقرّر مبدأً مهمًا: ما دام العمل مبنيًّا على اجتهاد معتبر فلا يُبدَّع ولا يُؤثَّم صاحبه.

 

الكاتب يذكّر أيضًا بسعة الخلاف داخل المذاهب نفسها؛ ففي المذهب الواحد روايات ووجوه وطرق، حتى احتاج مذهب كالمذهب الحنبلي إلى مصنف ضخم كـ*«الإنصاف»* في عدة مجلدات لبيان الراجح من الخلاف داخله.

 

هكذا يتضح أن منطقة ما يجوز فيه الخلاف أكبر بكثير مما لا يجوز فيه الخلاف، وأن محاولة حشر الأمة كلها في رأي واحد في فروع الدين تكليف بما لا تطيقه طبائع البشر ولا طبيعة اللغة ولا طبيعة النصوص.

 

أسباب الاختلاف… ولماذا يستحيل جمع الناس على قول واحد؟

 

النص يشرح أن أسباب الاختلاف ليست هوى مجردًا، بل تعود إلى طبيعة:

البشر، اللغة، النصوص، والتكليف نفسه.

 

فالنصوص قد تكون:

 

  • عامة عند عالم، خاصة عند آخر،
  • مطلقة عند هذا، مقيدة عند ذاك،
  • صحيحة السند عند إمام، ضعيفة عند غيره،
  • ظاهرة الدلالة عند واحد، محتملة عند آخر،
  • محكمة عند فريق، منسوخة عند فريق آخر.

 

لذلك يضرب مثالًا عمليًا بنصوص تحريم حلي الذهب على النساء، وكيف اختلف العلماء فيها:

 

  • من ضعَّف أحاديث الوعيد،
  • ومن قال بنسخها لإجماع الأمة على إباحة ذهب النساء،
  • ومن قيّدها بحال عدم أداء الزكاة،
  • ومن حملها على من تتزين به للخيلاء وإظهار الزينة،

 

ثم جاء في عصرنا من صحح الأحاديث وأفتى بتحريم “الذهب المحلق” على النساء، مخالفًا إجماع الفقه والعمل عبر قرون.

 

هل منع وجود النصوص من وقوع الخلاف؟ قطعًا لا. وهل تمكّنت “مدرسة الأثر” الحديثة من رفع الخلاف لمجرد وجود حديث معها؟ أيضًا لا. إذن: الخلاف باقٍ، ومحاولة إلغائه وهمٌ خطير.

 

كما يلفت إلى مفارقة مؤلمة: أن بعض دعاة “إلغاء التقليد” و”العودة إلى النصوص” يهاجمون أتباع المذاهب لتقليدهم الأئمة، بينما يطالبون الناس ضمنًا بتقليدهم هم بلا مناقشة، وكأنهم احتكروا فهم النص، وجمعوا وحدهم شروط الاجتهاد والعصمة من الخطأ!

 

أدب الخلاف… كيف نختلف في الفروع ولا تختلف القلوب؟

 

جوهر الرسالة هنا: ليس الخلاف الفقهي هو المشكلة، بل سوء أدب الخلاف.

 

الكاتب يطرح أسئلة حاكمة:

 

  • كيف نختلف في الآراء ولا تختلف القلوب؟
  • كيف يخالف المسلم أخاه دون أن يفقد محبته واحترامه؟
  • كيف لا يجرّه الخلاف الفقهي إلى الطعن في دين أخيه أو عقله أو علمه؟

 

ويستشهد بمواقف كبار العلماء:

 

ابن تيمية وابن القيم وغيرهما يرون أن مسائل مثل: الجهر بالبسملة، القنوت في الفجر، عدد ركعات التراويح، رفع اليدين، اختلاف الأذان والتشهد… كلها اختلافات مباحة، لا يُنكر فيها على من فعل ولا من ترك؛ لأنها دائرة بين الجائز والأفضل، لا بين الحلال والحرام أو الإيمان والكفر.

 

شيخ الإسلام يقرّر أن صلاة بعض المسلمين خلف بعض جائزة، حتى لو اختلفوا في مسائل يراها أحدهم تبطل الوضوء أو الصلاة؛ ما دام فعْل الإمام سائغًا في مذهبه، وهذا ما عليه جمهور السلف والأئمة.

 

ثم يبرز نموذجًا بديعًا في أدب الخلاف عند الإمام حسن البنا؛ حين اختلف أهل قرية في عدد ركعات التراويح (ثمانٍ أم عشرين)، وكادوا يقتتلون، فقال لهم: التراويح سنة، والأخوة فريضة، ولا يجوز أن نضيّع الفريضة من أجل سنة.

ودعا كلًّا أن يصلي بما ترجّح له في بيته، وأن يحفظوا وحدة قلوبهم قبل أن يتشبثوا برأي في مسألة فرعية.

 

الحاجة إلى تجديد فقه الاختلاف في واقعنا المعاصر

 

يختم النص بالتأكيد أن من أعظم ما يجب أن يتعلمه الشباب اليوم:

 

  • معرفة ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز، والإقرار بأن مساحة الاختلاف المشروع واسعة.
  • الوعي بأن محاولة إزالة الخلاف كليًّا تكليف للناس ضد طبائعهم، وضد طبيعة النصوص الشرعية.
  • إحياء أدب الخلاف الذي ورثناه عن الصحابة والأئمة؛ حيث تتعدد الأقوال ولا تتقطع الأواصر.

 

في زمن تتضخم فيه “ثقافة الإلغاء” و”مدرسة الرأي الواحد”، يصبح هذا الفقه ضرورة تربوية ودعوية، لا مجرد بحث نظري؛ فالأمة التي تستهلك طاقتها في صراع داخلي على فروع الفقه، وتعجز عن التعايش بين مدارسها واجتهاداتها، أمة تضيع بوصلتها الكبرى:

 

  • نصرة الحق،
  • مواجهة الظلم،
  • إقامة العدل،
  • وتبليغ رسالة الإسلام للعالم.

 

إن إدراك مراتب الأحكام، وتوسيع الصدر للخلاف المعتبر، والتحرر من وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، ليست ترفًا فكريًا، بل شرط من شروط بقاء الجماعة المسلمة متماسكة، قادرة على أن تختلف في الفروع وهي متحدة على الأصول؛ تؤدي واجبها في عمارة الأرض، قبل أن يُفنيها صراع داخلي حول ما جعله الله رحمة وسعة لا سببًا للتكفير والتمزيق.