في أسبوع واحد فقط، قفز غرام الذهب عيار 21 من 6155 إلى 6735 جنيها بزيادة قدرها 580 جنيها، أي نحو 9.4%، مدفوعًا بطفرة تاريخية في سعر الأونصة عالميًا التي قفزت بنحو 392 دولارًا لتصل قرب 4988 دولارًا، في أقوى مكاسب أسبوعية منذ نحو 6 سنوات، بحسب بيانات منصة «آي صاغة».
هذه ليست مجرد أرقام في شاشات التداول، بل رسالة قاسية لاقتصاد مأزوم، ومواطن لم يعد يثق في عملته، وسوق ذهب يتحول من أداة ادخار هادئة إلى ساحة هلع ومضاربة، كما يقرأها أربعة من أبرز خبراء الصاغة في مصر.
انفجار أسعار مرتبط بالعالم.. لكن الخلل محلي أيضًا
يؤكد سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، أن ما جرى في أسبوع واحد «ليس حركة عادية في سوق الذهب»، موضحًا أن ارتفاع عيار 21 بنحو 580 جنيهًا، وقفزة عيار 24 إلى قرابة 7697 جنيها، وعيار 18 إلى نحو 5773 جنيها، وصعود الجنيه الذهب إلى حدود 53880 جنيهًا، كلها تعكس تفاعل السوق المحلي مع موجة عالمية غير مسبوقة، ولكن مع «زيادة مبالغ فيها» محليًا بسبب شح المعروض ووقف الاستيراد.
إمبابي يشير صراحة إلى نقص حاد في سبائك الذهب والفضة نتيجة الارتفاع القوي في الطلب، مع استمرار وقف الاستيراد واعتماد السوق على إعادة البيع، ما أدى لاتساع الفجوة بين السعر المحلي والسعر العالمي إلى نحو 146 جنيها للغرام، وهي فجوة لا يمكن تفسيرها فقط بعامل «العالم ملتهب» بل أيضًا بسياسات محلية تخنق العرض وتترك المواطن فريسة جشع بعض التجار.
من جانبه، يصف إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات، ما يحدث بأنه جزء من «واحدة من أعنف موجات شراء الذهب في التاريخ الحديث»؛ فالذهب عالميًا قفز بنسب كبيرة منذ 2025، مع طلب عنيف من البنوك المركزية والمستثمرين في ظل التوترات الجيوسياسية وقلق الأسواق.
لكن واصف يلفت إلى نقطة أكثر خطورة: بما أن الذهب سلعة عالمية مرتبطة بسعر الأونصة والدولار، فإن أي تشوّه محلي في التسعير أو ضرائب أو قيود استيراد يترجم مباشرة إلى «غلاء مفتعل» فوق الغلاء العالمي؛ وهذا ما يفسّر، برأيه، شعور المصريين بأن ارتفاعات الذهب هنا «أقسى وأسرع» من باقي الدول.
الطلب على السبائك قفز 10 أضعاف.. والمواطن يهرب من النظام المالي
القراءة الأعمق لسلوك السوق يقدّمها هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية. فبحسب تصريحات حديثة له، سجّل الذهب في مصر ارتفاعًا قياسيًا يقارب 13.5% في 22 يومًا فقط من 2026، مع قفزة تاريخية في عيار 21 ليصل إلى مستويات تفوق 6700 جنيه للغرام، متوافقًا مع الأرقام التي رصدتها «آي صاغة».
الأخطر أن ميلاد يؤكد أن الطلب على السبائك قفز بنحو 10 أضعاف مقابل تراجع واضح في الإقبال على المشغولات الذهبية، ما يعني أن السوق لم يعد سوق «زينة وعروسة»، بل تحوّل إلى سوق تحوّط وذعر ادخاري؛ الناس تشتري «كتل ذهب» لا «حُليّ»، هروبًا من الجنيه ومن الأدوات المالية التقليدية.
ميلاد، الذي يصف الذهب بأنه «أهم أدوات الادخار الآمن على المدى الطويل»، نصح غير مرة بعدم التسرع في البيع، بل الاحتفاظ بالذهب لفترات أطول، وأن من يملك جنيهًا أو دولارًا «الأجدى أن يحوّله إلى ذهب» في هذه المرحلة المضطربة.
لكن هذه النصيحة، الصحيحة من زاوية حماية المدخرات، تكشف في الوقت نفسه إدانة صريحة لواقع الاقتصاد:
• شهادات البنوك لم تعد مغرية كما كانت.
• سعر الفائدة الحقيقية سالب مع التضخم.
• الثقة في الجنيه تتآكل.
في هذه البيئة، يصبح الذهب تصويتًا يوميًا على فشل السياسات الاقتصادية؛ كل غرام يُشترى هو في جوهره «لا» صامتة لسياسات الدين والتعويم وغياب الرؤية الإنتاجية.
ركود في المشغولات ومخاطر اجتماعية
أما نادي نجيب، سكرتير عام شعبة الذهب السابق، فيلخّص المشهد بعبارة حادة: «عمرنا ما شوفنا الأسعار دي»؛ في إشارة إلى أن السوق يعيش مستويات غير مسبوقة تاريخيًا، سواء في سعر الغرام أو الجنيه الذهب.
نجيب يربط مباشرة بين القفزات المجنونة وبين حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي عالميًا، مؤكدًا أن الذهب يظل ملاذًا آمنًا في أوقات التوتر، وأن زيادة الإقبال عالميًا تقلّص المعروض وترفع الأونصة، ثم ينعكس هذا كله على السوق المصري.
لكن اللافت في تحليله أنه يحذر من أن هذه الارتفاعات الحادة لا تعني ازدهارًا للتجارة؛ بالعكس، فترات القفزات الكبيرة تصيب السوق بحالة كساد مركّب:
• من يريد الشراء يتراجع لأنه «خايف يشتري على القمة».
• ومن يملك ذهبًا يمتنع عن البيع متوقعًا مزيدًا من الصعود.
النتيجة: حركة شبه متجمدة في المشغولات، مع تركز التعاملات في السبائك والجنيهات، ما يضرب آلاف الورش والعمال والصناع الذين يعتمدون على صناعة الحُليّ لا على تجارة السبائك.
نجيب يشير أيضًا إلى أن الفضة أصبحت خيارًا مهمًا لصغار المدخرين الذين لا يملكون القدرة على اللحاق بأسعار الذهب الحالية، معتبرًا أنها قد تحقق عوائد جيدة مع الوقت، لكنها تظل في النهاية انعكاسًا لنفس المرض: مجتمع يبحث عن أي شيء يحفظ له ما تبقّى من قيمة مدخراته.
في المحصلة، يقدّم خبراء الصاغة الأربعة – سعيد إمبابي، إيهاب واصف، هاني ميلاد، نادي نجيب – لوحة متكاملة:
• عالم مشتعل يرفع الذهب كملاذ آمن.
• سوق محلي مختل بسياسات استيراد ورسوم وفجوة سعرية وتشوهات.
• مواطن مذعور يهرب من الجنيه إلى السبائك.
قفزة 9.4% في أسبوع ليست مجرد خبر اقتصادي؛ إنها جرس إنذار بأن الذهب لم يعد فقط «زينة وخزنة»، بل مرآة لاقتصاد مضغوط، وسياسات تترك الناس بين خيارين: إما الفقر… أو الاحتماء بسبائك في مواجهة مستقبل لا يثقون في من يديره.

