تتحوّل الأجهزة الكهربائية في مصر من سلع معمِّرة داخل كل بيت إلى بوابة واسعة لجرّ ملايين الأسر إلى دوّامة ديون لا تنتهي، تحت عنوان «التمويل الاستهلاكي» و«التقسيط المريح». فبينما يتفاخر رئيس اتحاد التمويل الاستهلاكي بزيادات قياسية متوقعة تصل إلى 60% هذا العام، ليقفز حجم التمويل من نحو 90–100 مليار جنيه إلى 145–160 مليارًا، تتحمّل الأسرة المصرية وحدها كلفة هذه الطفرة على هيئة أقساط متراكمة وأسعار منفلتة ورواتب متآكلة لا تواكب التضخم.
بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية تكشف أن شركات التمويل الاستهلاكي ضخت قرابة 75 مليار جنيه خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025، بزيادة 58% عن الفترة نفسها من العام السابق، مع قفزة في عدد العملاء إلى أكثر من 9.25 مليون عميل. الأخطر أن الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية تتصدر قائمة السلع الممولة، مستحوذة على نحو 18–28% من إجمالي التمويل، بحسب تقارير رسمية متتالية. بمعنى أوضح: جزء معتبر من «الزيادات القياسية» يذهب مباشرة إلى ثمن ثلاجة أو غسالة أو تكييف لا يملك صاحبها ثمنه «كاش» فيدفعه مضاعفًا على أقساط.
تقسيط الأجهزة: طوق نجاة للأسر أم مصيدة ديون مؤجَّلة؟
وفق ما نقلته تقارير اقتصادية، بات التقسيط الوسيلة شبه الوحيدة أمام غالبية الأسر لشراء الأجهزة الكهربائية، بعد قفزات متواصلة في الأسعار. بيانات الهيئة تشير بوضوح إلى أن الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات حصلت بمفردها على تمويل بنحو 3.5 مليار جنيه في الربع الثاني من 2024، بما يعادل 28.46% من إجمالي التمويل الاستهلاكي في تلك الفترة.
رئيس اتحاد التمويل الاستهلاكي نفسه يعترف بأن الأسر لم تعد تعتبر التقسيط «رفاهية»، بل آلية اضطرارية لإدارة التدفقات النقدية، في ظل أسعار أجهزة منزلية أصبح ثمن الواحد منها يعادل رواتب عدة أشهر. لكن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود أداة تمويلية بحد ذاتها، بل في استخدامها لتعويض فشل السياسات الاقتصادية في حماية الدخول الحقيقية للمواطنين؛ فبدل أن تُرفع الأجور أو تُخفَّض الضرائب غير المباشرة، يُقال للناس: «اشترِ بالتقسيط.. وسدِّد لاحقًا»، بينما «لاحقًا» هذه تعني غالبًا فوائد مرتفعة وتضخمًا إضافيًا يلتهم أي تحسن وهمي في مستوى المعيشة.
الأرقام الرسمية تؤكد أن سوق التمويل الاستهلاكي في مصر أصبح أحد أكبر أنشطة التمويل غير المصرفي، بحجم يناهز 80–90 مليار جنيه سنويًا، مع استمرار تصدّر الأجهزة الكهربائية لقائمة السلع الممولة. ومع كل إعلان جديد عن «مبادرات تقسيط» أو توسّع في نقاط البيع، يزداد اعتماد الأسر على الاقتراض لتغطية ما كان يُعتبر قبل سنوات احتياجات أساسية يمكن شراؤها من الدخل الشهري دون الاستدانة.
تجار الأجهزة الكهربائية: الأسعار تحرق الجيوب والتمويل يغطّي فشل السوق
من قلب القطاع نفسه، يقرّ كبار العاملين في سوق الأجهزة بأن ما يحدث ليس «ازدهارًا» طبيعيًا، بل تشوّهًا في بنية السوق يُغطِّيه التمويل الاستهلاكي.
أشرف هلال، رئيس شعبة الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية بالغرف التجارية، يلفت إلى أن فئات واسعة من المصريين كانت تتحاشى أصلًا التعامل مع البنوك أو شركات التمويل، وتفضّل الادخار أو «الجمعيات»، لكن موجات الغلاء المتلاحقة دفعت كثيرين إلى كسر هذا الحاجز واللجوء للتقسيط، رغم تخوفهم من المستقبل وحرصهم على السيولة القليلة المتبقية لديهم. بمعنى آخر: الناس لا تذهب للتقسيط حبًا في «الكروت» بل هربًا من أسعار لا تطاق.
في الخلفية، يشير فتحي الطحاوي، نائب رئيس شعبة الأدوات المنزلية بغرفة القاهرة التجارية، إلى أن قرارات وقف أو تقييد الاستيراد كانت سببًا رئيسيًا في «الارتفاعات الجنونية» لأسعار الأجهزة والأدوات المنزلية، بسبب قلة المعروض وتعقيد الإجراءات أمام دخول البضائع الجديدة. فالدولة التي تتحدث عن «دعم الصناعة» خلقت عمليًا سوقًا محتكرة قليلة العرض، ثم تركت المواطن يواجه النتيجة عبر مزيد من الديون.
من جهته، يذكّر حسن مبروك، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الصناعات الهندسية، بأن الأسعار قفزت بنحو 10% في فترات سابقة فقط بسبب زيادة أسعار الخامات ومستلزمات الإنتاج والشحن، محذرًا من ارتفاعات جديدة مع استمرار ضغوط التكلفة العالمية. أي زيادة عالمية في النحاس أو الشحن البحري تتحول فورًا إلى موجة غلاء محلية، بلا أي آلية حقيقية لحماية المستهلك.
أما جورج زكريا، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بالغرفة التجارية بالجيزة، فيرصد مفارقة لافتة: الطلب على المراوح والتكييفات ارتفع بنحو 10% مع موجات الحر، لكن هذا يأتي في ظل تراجع واضح في القوة الشرائية، حيث ينتظر كثير من المستهلكين مزيدًا من خفض الأسعار أو عروض استثنائية قبل الإقدام على الشراء. الطلب هنا ليس علامة رخاء، بل صرخة احتياج أساسي (تبريد، ثلاجة، غسالة) تُلبَّى عبر أقساط تمتد لسنوات.
بهذا المعنى، يتحول التمويل الاستهلاكي إلى «مخدر» يغطي على فشل سياسات الإنتاج والتسعير والرقابة على السوق؛ فبدلًا من معالجة أسباب الغلاء، يُترك الثمن كما هو، ويُقال للمواطن: «قسّطها على 24 أو 36 شهرًا».
ثقافة التقسيط بدل الأجور: من الذي يقبض ثمن «الزيادات القياسية»؟
خبراء الاقتصاد، ومنهم الدكتور مدحت نافع الذي يحذّر من التوسع في التمويل الاستهلاكي لسلع سريعة التلف أو غير قابلة للرهن، يشيرون إلى جوهر الخطر: ما يُموَّل اليوم ليس أصلًا منتجًا أو أصلًا يمكن تسييله لاحقًا، بل أجهزة ستفقد قيمتها خلال سنوات قليلة، بينما تبقى الأقساط والفوائد معلّقة في عنق الأسرة. بهذا الشكل، لا يُبنى ثراء حقيقي، بل تُبنى طبقات متراكبة من الديون، من شركة تمويل إلى بطاقة ائتمان إلى قرض شخصي، بينما يظل الراتب راكدًا أو متآكلًا بفعل التضخم.
في المقابل، يستفيد مُصنِّعو الأجهزة، وبعض كبار التجار، وشركات التمويل، من هذه الدائرة المغلقة: أسعار مرتفعة، عرض محدود، تمويل سهل على الورق، عمولات وفوائد، ومواطن محاصر بين غلاء لا ينتهي وأقساط لا ترحم. حين تعلن الهيئة العامة للرقابة المالية أن التمويلات الاستهلاكية بلغت أكثر من 87 مليار جنيه في عام واحد بنمو يفوق 58%، فهذا يعني ببساطة أن عشرات المليارات حُوِّلت من دخول الأسر إلى أرباح شركات وبنوك، تحت لافتة «خدمة المستهلك».
الخطر الأكبر أن تتحول ثقافة المجتمع بالكامل من الادخار والتخطيط طويل الأجل إلى منطق «اشتري الآن وادفع لاحقًا»، في اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف الادخار المحلي واعتماده المفرط على الديون الخارجية. في هذه الحالة، تصبح «الزيادات القياسية» في التمويل الاستهلاكي مرآة لواقع أكثر قسوة: دولة تعجز عن حماية القوة الشرائية فتترك السوق يلتهم المواطن، ثم تُزيِّن الكارثة بأرقام نمو في قطاع التقسيط.
باختصار، ما يبدو على الشاشة كعروض مبهرة لتقسيط الثلاجة والغسالة والتكييف، هو في جوهره ترجمة حيّة لمعادلة ظالمة: أجور لا تكفي، أسعار لا ترحم، وسياسات تدفع المصريين دفعًا إلى الاقتراض من أجل بقاء «بيت يعيش على الكارت»؛ فيما تُسجَّل هذه الديون في دفاتر الشركات كـ«إنجازات» و«زيادات قياسية» في نشاط التمويل.

