تواصل حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي ما تجيده جيدًا: البحث عن جيوب المواطنين بدل البحث عن حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية. من رفع أسعار الكهرباء والوقود، إلى تعويم الجنيه وتفجير الأسعار، وصولًا إلى أحدث «ابتكارات الجباية» عبر مشروع تعديل قانون المرور، الذي يحوّل المخالفة البسيطة إلى كارثة مالية قد تصل غرامتها إلى 15 و30 ألف جنيه، بل والحبس في حالات كانت لسنوات طويلة تُعد مجرد مخالفات إدارية.

 

هكذا يتحول قانون المرور من أداة لتنظيم حركة السير وحماية الأرواح، إلى سلاح مالي وقانوني جديد في يد دولة تعيش على الغرامات والرسوم، وتترك المواطن، خصوصًا السائق الفقير، بين خيارين: إما أن يدفع، أو يُدمَّر بيته ويُقطع رزقه.

 

قانون مرور أم مشروع جباية؟ فلسفة العقاب أولًا.. والسلامة مؤجلًا

 

التعديلات التى وافق عليها مجلس وزراء السيسي تكشف بوضوح أن الفلسفة المسيطرة ليست «السلامة المرورية» بل «تعظيم الحصيلة». المادة 54 تنص على ضبط المركبات التي تسير دون ترخيص أو بانتهاء مدة الترخيص إداريًا، وحجزها في حضانة المرور من أسبوع حتى 30 يومًا، مع تحصيل الضريبة السنوية كاملة، وفرض «ضريبة إدارية» تعادل ثلث الضريبة السنوية عن مدة انتهاء الترخيص، بحد أقصى خمس سنوات.

 

يعني ذلك ببساطة: لو مواطن تأخر عن تجديد الرخصة لأنه عاجز عن دفع الرسوم في ظل هذا الغلاء، فلن يُعامل كحالة يجب مساعدتها وإرشادها، بل كـ«فرصة تحصيل» يُسحب منها أقصى ما يمكن من مال، مع احتجاز سيارته التي يعتمد عليها في رزقه.

 

المادة 70 تغلّظ الغرامات في حالات تغيير مسار السير أو تجاوز السرعة، لتتراوح بين 2000 و10 آلاف جنيه، مع مضاعفة العقوبة عند تكرار المخالفة خلال ستة أشهر. والمادة 72 تقفز بالغرامة إلى ما بين 5000 و15 ألف جنيه في حالات إلقاء مخلفات أو قمامة أو مواد تعيق الطريق، أو انبعاث أدخنة كثيفة، أو نقل حمولة غير مؤمنة أو مواد قابلة للاشتعال، مع مضاعفة العقوبة عند العود.

 

لا أحد يدافع عن الفوضى أو القمامة في الشوارع، لكن السؤال: هل الدولة التي تعجز عن جمع قمامة الشوارع وتترك المحليات غارقة في الفساد تملك شرعية فرض غرامة 15 ألف جنيه على سائق أُلقيت في طريقه مخلفات بناء أصلًا من مقاول «محمي»؟

 

الأخطر أن المادة 77 تجعل الحبس حتى سنة وغرامة من 1000 إلى 5000 جنيه، أو إحدى العقوبتين، عقوبة قيادة مركبة دون ترخيص أو بلوحات غير أصلية أو العبث بها، مع حبس حتى ستة أشهر وغرامة مشابهة لمن يقود دون رخصة قيادة. ثم تقفز الفقرة الخامسة إلى غرامات بين 10 آلاف و30 ألف جنيه في حال «عدم الصلاحية الفنية» للمركبة: عطل فرامل، إضاءة غير صالحة، أو حتى انبعاث روائح كريهة، مع مضاعفة العقوبة عند التكرار.

 

بكلمات أخرى: سيارة قديمة يعجز صاحبها عن صيانة فراملها أو استبدال إطاراتها في ظل هذه الأسعار، لا تُعامَل كحالة تستحق دعمًا أو برامج صيانة ميسرة، بل كـ«خطر مالي مستهدف» يسهل اصطياده على الطرق.

 

سائقون على حافة الجوع: غرامة واحدة قد تبتلع شغل أسبوع أو شهر

 

أصوات السائقين تكشف الوجه الحقيقي لما يسمى «تغليظ العقوبات». هؤلاء ليسوا رجال أعمال أو أصحاب أساطيل نقل، وإنما سائقو أجرة ونقل وتطبيقات ذكية، يعتمد رزقهم على العمل اليومي دون أي تأمين اجتماعي أو صحي أو دخل ثابت.

 

سائق أجرة دخله اليومي 300 أو 400 جنيه يقول بوضوح: «لو زودت السرعة 10 كيلو واتصورت، هدفع شغل أسبوع أو أكثر… ده قانون خراب بيوت». هذا السائق لا يملك رفاهية ترك سيارته في «الحضانة» 30 يومًا، ولا القدرة على دفع 10 أو 15 ألف جنيه غرامة، ولا قوة تفاوض أمام أمين شرطة أو ضابط، يعرف أن القانون يسانده في تحصيل أكبر قدر من المال.

 

القانون بهذا الشكل لا يردع «متهورًا غنيًا» يقود سيارة فارهة، فغرامة 10 أو 20 ألف جنيه بالنسبة له لا تعني شيئًا، لكنه يسحق سائقًا فقيرًا أو موظفًا بسيطًا قد يضطر للاقتراض أو بيع جزء من ممتلكاته لدفع غرامة واحدة. هكذا تتحول تشريعات المرور إلى آداة لتوسيع الفجوة الطبقية: المخالف الغني ينجو بالمال أو بالواسطة، والمخالف الفقير يُسحق بالغرامة والحبس.

 

ثم إن تغليظ العقوبات في دولة مثل مصر، حيث الرشوة و«التساهل تحت الترابيزة» جزء من واقع يومي، يفتح بابًا واسعًا لابتزاز السائقين: كلما ارتفعت الغرامة الرسمية، ارتفع «سعر التسوية غير الرسمية»، لأن صاحب السيارة سيجد أن دفع رشوة أقل من غرامة قد يكون – في نظره – «أخف الضررين». وبذلك يضرب القانون هدفه المعلن، ويصبح عمليًا أداة لتوسيع الفساد وتعميقه.

 

خبراء يحذرون: القانون بلا بنية تحتية ولا ثقافة مرورية يتحول إلى مطرقة قمع

 

الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، يرى أن تغليظ العقوبات «قد يكون خطوة مهمة»، لكنه يحذر صراحة من أن العقوبة وحدها لا تصنع انضباطًا مروريًا مستدامًا. العنصر البشري، وثقافة القيادة، وتنظيم الطرق، هي العوامل الحاسمة في تقليل الحوادث، لا الغرامات وحدها.

 

مهدي يؤكد أن تجديد رخص القيادة لا يجب أن يُختصر في كشف طبي شكلي، بل يجب أن يشمل إعادة اختبار حقيقي للسائق في قواعد المرور والقيادة الآمنة، مع تطوير برامج تدريب جادة. كما يشير إلى أن كثيرًا من الطرق والمحاور في مصر ما زالت تفتقر إلى التنظيم الجيد والإشارات الواضحة ووسائل الأمان، ما يعني أن تطبيق القانون بشكل «أعمى» في بيئة غير مؤهلة قد ينتج عنه ظلم لا ردع.

 

من جانبه، يذكّر المحامي أحمد محسن بمبدأ أساسي في فلسفة القانون: التشريعات يجب أن تمنع وقوع المخالفة قبل أن تعاقب عليها. القانون الناجح، كما يقول، ليس الذي يكدّس خزينة الدولة بالغرامات، بل الذي يغيّر سلوك المجتمع عبر التوعية، وتحسين البنية التحتية، وتدرج العقوبات، واتساع هامش سلطة القاضي لتقدير الظروف، لا عبر مطرقة واحدة تهوي على الجميع بلا تمييز.

 

محسن يحذر أيضًا من غياب الوعي العام بمحتوى التعديلات، ومن نقص العلامات الإرشادية على الطرق والمحاور، مشيرًا إلى أن هذا الغياب يؤثر سلبًا على فهم المواطنين للفلسفة التي يزعم القانون أنه يقوم عليها، ويضعف قبوله مجتمعياً، ويحوّله في نظر كثيرين إلى «فخ» أكثر منه نظامًا عادلاً.

 

في النهاية، لا يمكن فصل مشروع قانون المرور الجديد عن سياق أوسع تعيشه مصر تحت حكم السيسي: دولة تبحث عن الحصيلة المالية في كل شيء، من فواتير الكهرباء إلى رسوم التعليم والضرائب العقارية وجمارك الهواتف، والآن غرامات المرور. بدلاً من أن تُبنى تشريعات المرور على رؤية متكاملة لسلامة الطرق وتحديث النقل العام وتخفيف الاعتماد على السيارات الخاصة، تختار السلطة الطريق الأسهل: عصا غليظة على رقاب الفقراء، وفتحة جديدة لخزائن الجباية.

 

قانون مرور حقيقي يحمي الأرواح ويقلل الحوادث هو ما يستند إلى احترام الإنسان، وتحسين الطرق، وتوفير بدائل نقل آمنة، ورفع وعي السائقين، لا ما يتعامل معهم كخزنة متنقلة، تُفتح كلما قررت الحكومة أنها بحاجة إلى دفعة جديدة من «التحصيل».