يُبيّن الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، رؤية فقهية وتربوية مهمّة حول مراتب الأوامر في الإسلام، وكيف رتّب الشارع الحكيم المأمورات وفق درجات من الأهمية والوجوب، ثم ينتقل ليفضح خللًا عميقًا وقع فيه المسلمون في عصور الانحطاط: قدّموا النوافل على الفرائض، والعبادات الفردية على الواجبات الاجتماعية، والفروع على الأصول، حتى أصبح شكل التدين عند كثيرين بعيدًا عن روح الإسلام ومقاصده الكبرى. هذا التقرير يلخّص الفكرة، ويُبرز أهم الملاحظات التي يلفت إليها النص.

 

أولًا - مراتب المأمورات في الإسلام.. ليس كل مطلوب في درجة واحدة

 

يؤكد القرضاوي أن أوامر الشريعة ليست على مرتبة واحدة، بل هي درجات:

 

•  المستحب: ما رُغِّب فيه الشارع ولا إثم في تركه.

 

•  السُّنة المؤكدة: ما واظب عليه النبي ﷺ ولم يتركه إلا نادرًا، دون أن يأمر به أمرًا جازمًا. ومن فقه الصحابة أنهم أحيانًا يتركون بعض السنن حتى لا يظنها الناس واجبة، كما نُقل عن أبي بكر وعمر في ترك الأضحية أحيانًا لهذا المعنى.

 

•  الواجب (في بعض المذاهب): ما طلبه الشارع طلبًا جازمًا دون أن يثبت بدليل قطعي.

 

•  الفريضة: وهي أعلى المراتب، ما ثبت وجوبه بدليل قطعي لا شبهة فيه، رُتِّب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب، ومن أنكره كفر، ومن تركه تهاونًا فسق.

 

ثم يفرّق العلامة بين فرض العين الذي يلزم كل مكلّف بعينه، وفرض الكفاية الذي إذا قام به بعض الأمة سقط الإثم عن الباقين، كالجهاد (في صورته الأصلية)، والعلم، والطب، والصناعات الضرورية… إلخ.

 

ويُلفت إلى أن فرائض العين ليست على درجة واحدة؛ فهناك الأركان الخمسة التي هي أساس البناء، ثم فرائض أخرى دونها في المنزلة لكنها لا تقل وجوبًا في أصل التكليف.

 

ثانيًا - ميزان الأولويات الشرعية.. تقديم الأهم فالأهم

 

القرضاوي يضع قواعد دقيقة لترتيب العمل:

 

•  تقديم فرض العين على فرض الكفاية

 

فبرّ الوالدين مثلًا مقدَّم على الجهاد إذا كان الجهاد في تلك الحال فرض كفاية؛ لذلك لا يُؤذَن للابن في الجهاد – عندئذ – بدون إذن والديه، كما في الأحاديث الصحيحة.

 

•  تقديم حق المجموع على حق الفرد عند تعيّن الفرض

 

فإذا صار الجهاد فرض عين – كحالة هجوم عدو على بلد مسلم – قُدِّم على بر الوالدين، لأنه أصبح متعلقًا بحق الأمة كلها.

 

•  تقديم الفرض على الواجب، والواجب على السُّنة، والسنة المؤكدة على المستحب

 

فلا يجوز أن ينشغل المسلم بالنوافل على حساب الفرائض، ولا بالمستحبات على حساب الواجبات، فهذا قلب للميزان.

 

•  تقديم القربات الاجتماعية على القربات الفردية

 

ما كان نفعه متعديًا للناس مقدّم على ما يقتصر أثره على صاحبه؛ فالجهاد لإعلاء كلمة الله، وطلب الفقه والعلم، وإصلاح ذات البين، كلها مقدَّمة على نوافل الصلاة والصيام والذكر من حيث الأهمية؛ لأن أثرها يتخطى الفرد إلى المجتمع.

 

•  تفضيل أعمال القلوب على أعمال الجوارح، وتقديم العقيدة على العمل

 

فالإيمان والتوحيد وإخلاص الدين لله هي أساس البناء، ولا قيمة لأعمال جوارح ضخمة إذا خلت من صحة الاعتقاد وإخلاص النيّة.

 

ثالثًا - أين اختلّت البوصلة؟ تشخيص أمراض التدين في عصور الانحطاط

 

بعد بيان الميزان الصحيح، يكشف النص عن جملة من الانحرافات التي وقع فيها كثير من المسلمين عبر العصور:

 

1.  إهمال فروض الكفايات الكبرى

 

مثل التفوق العلمي والصناعي والعسكري، والاجتهاد في الفقه واستنباط الأحكام، ونشر الدعوة إلى الإسلام، ومقاومة السلطان الجائر. هذه كلها فروض كفاية إذا قصّرت الأمة فيها أثمت جميعًا، ومع ذلك أُهملت إلى حدّ بعيد، فضعفت الأمة وتخلّفت عن ركب الحضارة.

 

2.  إضعاف بعض الفرائض العينية

 

وعلى رأسها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ التي تحولت في واقع كثير من المجتمعات إلى شعارات باهتة أو ممارسات سطحية، بينما الأصل أن تكون نظامًا عامًا لإصلاح المجتمع ومقاومة الظلم والفساد.

 

3.  اختلال التوازن بين أركان الإسلام

 

اهتم الناس بالصوم أكثر من الصلاة، حتى ندر أن ترى مفطرًا في رمضان، لكنّك تجد من يمضي عمره لا يعرف المسجد إلا في المناسبات!

 

واهتموا بالصلاة أكثر من الزكاة، حتى قال بعض الصحابة: «من لم يزكّ فلا صلاة له»، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة»؛ إشارة إلى أن من جعل الصلاة شيئًا والزكاة شيئًا آخر فقد مزّق وحدة الدين.

 

4.  تضخيم النوافل على حساب الفرائض والواجبات

 

خاصة عند بعض المتصوفة المتأخرين الذين ملأوا أوقاتهم بالأوراد والأذكار والتسابيح، بينما قصّروا في كثير من الفرائض الاجتماعية: إنكار المنكر، مقاومة الظلم، نصرة المظلوم، والقيام بحقوق المجتمع والأمة.

 

5.  تغليب العبادات الفردية على العبادات الاجتماعية

 

تم التركيز على الصلاة والذكر والاعتكاف والعزلة، أكثر بكثير من التركيز على الجهاد، والفقه، والتعاون على البر، والإصلاح بين الناس، والتواصي بالحق والرحمة. مع أن النص يقرر بوضوح أن ما يتعدى نفعه أولى – في ميزان الأولويات – مما يقتصر على صاحبه.

 

6.  الانشغال بالفروع وإهمال الأصول

 

انصرف كثير من الناس إلى جزئيات الأحكام وفروع الأعمال، وغفلوا عن أساس البناء كله: العقيدة والإيمان والتوحيد وإخلاص الدين لله. فصار الجدل على شكل اللحية أو هيئات معينة في الصلاة، أكبر من الجهد المبذول في إصلاح القلب، وتصحيح الاعتقاد، وتنقية النية، وإقامة العدل، ومحاربة الفساد.

 

العودة إلى فقه المراتب.. شرط لنهضة حقيقية

 

يقدّم االعلامة في جوهره دعوة لإعادة ترتيب البيت من الداخل: أن نعرف ما الذي يقدَّم وما الذي يؤخَّر، ما هو ركن وما هو نافلة، ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، ما هو عمل فردي وما هو واجب اجتماعي.

 

نهضة الأمة لا تقوم على كثرة الأذكار وحدها، ولا على زخرفة العبادات الفردية، بل على:

 

•  عقيدة صحيحة حيّة،

 

•  وفرائض قائمة في واقع الناس،

 

•  وفروض كفايات عامرة في العلم والصناعة والقوة،

 

•  وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر،

 

•  وجهاد بكل صوره لدفع الظلم وإقامة الحق.

 

من دون استعادة هذا الميزان، يبقى التدين شكليًا؛ يبدو مليئًا بالحركة، لكنه بعيد عن روح الإسلام الذي أراد أمةً قوية، عادلة، واعية، تعرف أين تضع كل عمل من سلّم الأولويات الذي رسمه الوحي.