يظهر الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، عظمة الشريعة الإسلامية في دقّتها في التفريق بين مراتب الأوامر والنواهي؛ فلا تجعل كل ما حُرِّم في مرتبة واحدة، كما لا تساوي بين من يترك واجبًا عظيمًا وبين من يقصّر في مستحب، أو بين من يقع في كبيرة مهلكة وبين من يخطئ خطأً يسيرًا تكفّره الحسنات. ومع ذلك، وقع كثير من الناس – قديمًا وحديثًا – في خلل خطير: اشتباكٍ في الأولويات، وانشغالٍ بالصغائر عن الكبائر، وبالخلافيات عن المحكمات، وبالمكروهات عن المحرمات المقطوع بها، حتى انقلب الميزان الذي جاءت به الشريعة نفسها.
القرضاوي الذي يشرح مراتب المنهيات يفتح الباب لفهم أعمق لهذه المسألة؛ فهو لا يكتفي بتقسيم الأحكام نظريًا، بل يشخّص بدقة العلة التي أصابت التدين المعاصر: تدين شكلي مشغول بالهامش، غافل عن اللبّ، يطارد “الدخان” ويترك “النار” مشتعلة.
أولًا - من المكروه إلى الحرام الصريح.. درجات المنع في الشريعة
الأمور التي نهى عنها الإسلام ليست على درجة واحدة من الإثم والخطورة؛ بل هي مراتب، تضبط سلوك المسلم وتوجّه ضميره، وتُشعره أن الشريعة جاءت بمنظومة دقيقة تراعي تفاوت الذنوب، كما تراعي تفاوت الناس في القدرة والابتلاء.
في أدنى السلّم يأتي المكروه تنزيهًا، وهو ما كان تركه أولى من فعله، لكنه أقرب إلى الحلال، فلا يأثم فاعله وإن حُرم من أجر الترك. ثم المكروه تحريمًا، وهو ما كان أقرب إلى الحرام، فيكون الإقدام عليه خطرًا على القلب؛ لأنه يجرّ صاحبه شيئًا فشيئًا إلى دائرة المحرمات، وإن لم يُلحق بالمحرم الصريح من حيث الإثم.
بعد ذلك تأتي المشتبهات؛ وهي المنطقة الرمادية التي لا يعلم حقيقتها كثير من الناس، لا هي حلال واضح ولا حرام واضح، ومن هنا جاء التحذير النبوي: من يتساهل فيها يوشك أن يقع في الحرام، كراعٍ يرعى حول الحِمى يوشك أن يقع فيه. هذه المنطقة تربي المسلم على الورع، لكن دون غلوٍّ يجعل كل شيء حرامًا، ودون تساهل يستهين بالقلوب وما يتسلل إليها من الشبهات.
ثم نصل إلى الحرام الصريح الذي فصّله الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ:
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام: 119)
هذا هو الخط الأحمر الواضح الذي لا عذر في تجاوزه، ولا مجال للتلاعب بألفاظ حوله؛ فهنا يكون الإثم ثابتًا، والوعيد منصوصًا، والتهاون فيه تهاونٌ في أصل الانقياد لله تعالى.
ثانيًا - صغائر تُمحى بالحسنات.. وكبائر لا يغسلها إلا التوبة النصوح
الحرام نفسه ليس درجة واحدة؛ فهناك صغائر وهناك كبائر. هذا التفصيل يحمي المسلم من اليأس من جانب، ويحميه من الاستهانة بالذنوب من جانب آخر.
الصغائر هي الذنوب التي تقع من المسلم في غمرة الحياة وضعف النفس، لكنها لا تصادم أصل الإيمان ولا تُخرِج صاحبها عن طاعة الله، وهذه – برحمة الله – تمحوها الحسنات: الصلاة، الصيام، الصدقة، سائر الطاعات. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: 114)
وجاء في الحديث الصحيح: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتْ الكَبَائِرُ».
أما الكبائر فهي الذنوب العظام التي تهدم في القلب، وتفسد في المجتمع، وتهدد أصل الاستقامة، لا يمحوها إلا توبة نصوح، صادقة، تخرج من قلب كواه الندم وطهّره الدمع. ونفس الكبائر ليست درجة واحدة؛ فجاء في الحديث النبوي تعداد أكبر الكبائر، وعلى رأسها:
• الإشراك بالله تعالى، وهو أخطر ذنب على الإطلاق، لا يُغفَر إلا بتوبة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: 48)
• عقوق الوالدين.
• شهادة الزور.
• السحر.
• قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
• أكل الربا.
• أكل مال اليتيم.
• قذف المحصنات المؤمنات الغافلات.
هذا التدرج يعلّم المؤمن أن ليس من الحكمة أن يُسوِّي في الإنكار بين من يترك سنة أو يقع في مكروه، وبين من يصرّ على كبيرة من هذه الكبائر، أو يقترب من الشرك وألوانه.
ثالثًا - خلل خطير في الأولويات.. مطاردة المكروهات وترك الكبائر
بعد هذا البيان الدقيق لمراتب المنهيات، يشخّص النص خللًا عميقًا وقع فيه كثير من المتدينين والدعاة:
أولًا: الانشغال بمحاربة المكروهات والشبهات أكثر من المحرمات الظاهرة، والجدل حول ما اختلف في حِلِّه وحرمته، مع إهمال ما هو مقطوع بتحريمه. ترى بعضهم يقيم الدنيا على مسألة فرعية خلافية، بينما يمرُّ على الربا في البنوك، أو الظلم، أو الغش، أو أكل أموال الناس بالباطل، مرور الكرام. هذه ليست غيرة شرعية، بل اختلال في ميزان الشريعة نفسها.
ثانيًا: انصراف كثيرين إلى مقاومة الصغائر، مع إغفال الكبائر الموبقات. قد تجد من لا يزال يخوض معارك طويلة حول هيئة اللباس أو تفاصيل يسيرة من الظاهر، بينما يتساهل في أمور تمس أصل العقيدة، مثل: العرافة، السحر، الكهانة، اتخاذ القبور مساجد، النذر والذبح للموتى، الاستغاثة بالمقبورين، والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله. هذه الممارسات ليست صغائر، بل مما يكدر صفاء عقيدة التوحيد، وبعضها يقترب من الشرك الأكبر أو يدخل فيه.
هنا تتجلّى الخطورة: حين تُترك أكبر الكبائر دون إنكار جاد، وينصبّ الاهتمام على تفاصيل ثانوية، يتشوه وجه الدين في أعين الناس؛ يرونه دينًا يطاردهم في الهامش، ولا يحرِّك ساكنًا في مواجهة ظلم صارخ، أو شرك واضح، أو ربا مستشرٍ، أو دماء تُسفك بغير حق.
إن إعادة الاعتبار لفكرة مراتب المنهيات ليست ترفًا فقهيًا، بل ضرورة لإصلاح التدين ذاته؛ أن نبدأ بما بدأ الله به، فنحفظ التوحيد أولًا، ونحارب الشرك وأبوابه، ثم نواجه الكبائر التي تفسد حياة الناس، ثم نلتفت للصغائر والمكروهات والشبهات. عندها فقط يعود ميزان الحلال والحرام إلى موضعه الصحيح، وتعود الدعوة إلى الله من همّ الشكل إلى جوهر التوحيد والعدل والرحمة.

