تعتزم وزارة البترول طرح مناقصة عالمية لاستيراد نحو 930 ألف طن من المنتجات البترولية خلال فبراير المقبل، تشمل 550 ألف طن سولار، و230 ألف طن بنزين، و150 ألف طن بوتاجاز، لتأمين احتياجات السوق المحلية، بحسب مسؤول حكومي تحدّث لـ«الشرق بلومبرج» ونقلته مواقع اقتصادية محلية.
في الوقت نفسه، أعلنت الوزارة قبل أيام عن تصدير شحنة جديدة من الغاز الطبيعي المسال بكمية 150 ألف متر مكعب من مجمع إدكو لصالح شركة «شل»، على متن الناقلة المتجهة إلى أحد موانئ تركيا.
بين مناقصة لاستيراد البوتاجاز واحتفاء رسمي بتصدير الغاز، ومع اعتماد متزايد على الغاز المستورد من إسرائيل للاستهلاك المحلي نفسه، تبدو السياسة البترولية وكأنها حلقة مغلقة يدفع ثمنها المواطن والموازنة معًا.
مناقصة 930 ألف طن.. اعتراف جديد بالعجز الهيكلي في الطاقة
تفاصيل المناقصة المنشورة تشير إلى استيراد 550 ألف طن سولار، و230 ألف طن بنزين، و150 ألف طن بوتاجاز، مع توقعات رسمية بتراجع طفيف في الواردات خلال الربع الأول من 2026، بدعوى ارتفاع تشغيل مصفاة «ميدور» وتأثير هدوء النشاط في شهر رمضان.
لكن أرقام العام الماضي تكشف صورة مختلفة؛ فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قفزت واردات مصر من المنتجات البترولية في 2024 إلى 10.5 مليارات دولار، مقابل 7.5 مليارات في 2023، أي زيادة بنحو 3 مليارات دولار خلال عام واحد فقط، رغم كل الحديث الرسمي عن «الاكتفاء الذاتي» و«تحقيق فوائض في قطاع الطاقة».
دراسة صحفية حديثة لـ«المنصة» توضح أن مصر تستورد حوالي 40% من احتياجاتها من السولار، و25% من البنزين، ونحو نصف احتياجاتها تقريبًا من غاز البوتاجاز، ما يضع البلاد في موقع مستورد صافٍ للمنتجات البترولية، رغم امتلاكها طاقة تكريرية تصل إلى 35 مليون طن سنويًا لا يُستغل منها إلا نحو 72%، بحسب تقديرات المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة العامة للبترول الأسبق، الذي يقدّر حاجة مصر لاستيراد نحو 13 مليون طن منتجات بترولية سنويًا لتغطية الطلب المحلي.
يوسف يرى أن الإصرار على الاعتماد المكثف على الاستيراد بدلًا من تعظيم التكرير المحلي ورفع كفاءة المصافي «يحوّل أي هزة في أسعار النفط أو سعر الصرف إلى زلزال مباشر في حياة المصريين»، ويُبقي الموازنة العامة رهينة لفاتورة وقود لا تتوقف عن التضخم.
نصدّر الغاز لتركيا ونستورد البوتاجاز.. ثم نعتمد على غاز الاحتلال
المفارقة الصارخة أن الحكومة تحتفل بتصدير 150 ألف متر مكعب من الغاز المسال إلى تركيا في يناير، بينما تطرح في الوقت نفسه مناقصة لاستيراد 150 ألف طن من البوتاجاز المنزلي في فبراير.
تقارير متخصصة سابقة قدّرت واردات مصر السنوية من البوتاجاز بحوالي 200 ألف طن فقط، أي أن الكمية التي تستوردها الدولة الآن في شهر واحد تقارب إجمالي ما كانت تستورده خلال عام في فترات سابقة، ما يعكس تعمّق الفجوة بين الإنتاج والطلب في هذا الملف الحيوي.
الأخطر أن هذا يحدث بينما تتحول مصر تدريجيًا من دولة تعيد تصدير الغاز الإسرائيلي بعد تسييله إلى دولة تعتمد على هذا الغاز في سد عجز الاستهلاك المحلي نفسه، وفق تحليلات نشرتها منصات اقتصادية وإسرائيلية وحقوقية، أشارت إلى أن الاعتماد على خطوط الأنابيب القادمة من حقول الاحتلال أصبح «ضرورة وجودية» لشبكة الكهرباء المصرية.
الدكتور إبراهيم زهران، خبير الطاقة الدولي وصاحب دعاوى قضائية سابقة ضد تصدير الغاز لإسرائيل، كان قد حذر مرارًا من نموذج «نصدّر رخيصًا ونستورد غاليًا»، واعتبر أن تصدير الغاز في ظل عجز داخلي «إهدار للمال العام واعتداء على حق المواطنين في ثرواتهم الطبيعية»، مستشهدًا بتجارب سابقة حين صدّرت مصر الغاز بأسعار بخسة ثم عادت تستورده بأسعار مضاعفة.
اليوم يتكرر المنطق نفسه في صورة أكثر تعقيدًا: تصدير شحنات غاز مسال عبر إدكو ودمياط، واستيراد غاز من إسرائيل وغاز مسال من الأسواق العالمية، ثم استيراد منتجات بترولية جاهزة، بينها البوتاجاز الذي يدخل كل بيت مصري. المواطن لا يرى سوى النتيجة النهائية: فواتير أعلى، وانقطاعات كهرباء بين الحين والآخر، وسياسات غامضة لا يعرف أحد من المستفيد الحقيقي منها.
خبراء: الفاتورة على الموازنة والمواطن.. والحل في الشفافية والإنتاج لا المناقصات
من زاوية الاقتصاد الكلي، يحذر الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي والاقتصادي، من أن أي زيادة في تكلفة المنتجات البترولية – سواء عبر رفع الأسعار أو عبر تضخم بند الاستيراد بالدولار – تنعكس مباشرة على أسعار النقل والسلع الغذائية والدواء، مؤكدًا أن قرارات الطاقة في مصر كثيرًا ما تُتخذ «دون دراسة كافية لتأثيراتها التضخمية على حياة الفقراء والطبقة الوسطى».
الوزير الأسبق للبترول المهندس أسامة كمال كان قد فتح النار في حوارات صحفية على ما وصفه بـ«مافيا الفساد» التي تستفيد من استمرار الاعتماد على الوقود التقليدي وتهريب جزء من المنتجات البترولية، محذرًا من أن هذه الشبكات تقاوم أي توسع جدي في الطاقة المتجددة أو تحسين كفاءة استخدام الوقود، لأنها تهدد مصالحها المباشرة في استنزاف موارد الدولة.
في المقابل، يربط المهندس مدحت يوسف بين عجز المنتجات البترولية وبين سوء إدارة ملف التكرير وغياب خطة واضحة لتجديد المصافي ورفع طاقتها الفعلية، مشيرًا إلى أن استغلال 100% من الطاقة التكريرية المتاحة كان كفيلًا بتقليص فاتورة الواردات بشكل ملموس، وتقليل حاجة البلاد إلى مناقصات ضخمة متتالية.
أما إبراهيم زهران فيعود للتذكير بجذر المشكلة: «تغييب الشفافية» في عقود بيع وشراء الغاز والمنتجات البترولية، سواء مع الشركات الأجنبية أو مع إسرائيل، وغياب نقاش برلماني ومجتمعي حقيقي حول الأولويات: هل نلبّي احتياجات محطات الكهرباء والمنازل أولًا، أم نسابق الزمن لتصدير كل ما يمكن تصديره ولو عدنا نستورد ما هو أغلى ثمنًا؟
النتيجة أن مناقصة استيراد 930 ألف طن من السولار والبنزين والبوتاجاز لشهر واحد ليست مجرد إجراء فني لتأمين الوقود، بل حلقة جديدة في مسار اقتصادي وسياسي اختار أن يحمّل المواطن فاتورة سوء الإدارة والارتهان للخارج، بدل أن يفتح دفاتر العقود والصفقات على الملأ، ويضع ثروات المصريين في خدمة المصريين أولًا.

