في خطوة تعكس مستوى الارتهان لوصفات صندوق النقد الدولي، كشف تقرير صحفي أن حكومة مدبولي تستعد لطرح الشركة المصرية لنقل الكهرباء أمام مستثمرين استراتيجيين والقطاع الخاص في مارس المقبل، ضمن برنامج الطروحات الحكومية المتفق عليه مع الصندوق.

 

الشركة ليست مجرد «شركة» عادية؛ إنها العصب الوحيد الذي يشتري كل الكهرباء من محطات الإنتاج الحكومية والخاصة، ثم يعيد بيعها لشركات التوزيع، وهي المسؤولة كذلك عن شبكات الربط الكهربائي مع الدول الأخرى. بمعنى أوضح: من يمسك بهذه الشركة يمسك بـ زرّ تشغيل وإطفاء مصر كهربائيًا.

 

ومع ذلك، تتعامل الحكومة مع هذا الأصل كأنه عمارة قديمة قررت بيعها لسداد جزء من ديونها، وتطالب المصريين بتصديق أن «الأسعار مش هتزيد»، وأن «السيادة مش في خطر»، بينما التجارب السابقة تقول العكس تمامًا.

 

خصخصة القلب الكهربائي للدولة: تحرير سوق أم تحرير السيطرة على الأمن القومي؟

 

وفقًا للمصادر التي نقل عنها التقرير، فإن الخطة الحكومية تقضي بطرح الشركة المصرية لنقل الكهرباء مباشرة أمام مستثمرين استراتيجيين. وإذا لم تُقدَّم عروض مالية «مناسبة»، سيتم طرح ما بين 25 و30% من أسهم الشركة في البورصة. على الورق، يُقدَّم هذا كجزء من «تحرير سوق الكهرباء» و«جذب استثمارات عربية وأجنبية» لدعم مشروعات الطاقة.

 

لكن خلف هذا الغلاف الناعم، حقيقة صلبة: أنت لا تبيع مصنعًا عاديًا، بل تفتح باب السيطرة على شبكة نقل الكهرباء بالكامل أمام مستثمر – في الغالب خليجي – هدفه الأول والأخير الربح واسترداد رأس المال، لا «الخدمة العامة» ولا «العدالة الاجتماعية».

 

الحكومة تحاول طمأنة الناس بأن الأسعار لن ترتفع لأن «التعريفة ستظل بيد الدولة». هذه الحجة سمعناها حرفيًا في ملفات أخرى:

 

•  قيل نفس الكلام عند طرح حصص من شركات أسمدة استراتيجية مثل أبو قير للأسمدة، ثم كانت النتيجة تقليص الأسمدة المدعومة، ورفع الأسعار تدريجيًا حتى تضاعفت تقريبًا، وتحولت الشركة من ذراع لدعم الفلاح وخفض تكلفة الغذاء إلى شركة ربحية صِرف تُصدّر للخارج وتترك السوق المحلي يختنق.

 

منطق الاستثمار بسيط: المستثمر الذي يشتري أصلًا استراتيجيًا بحجم «نقل الكهرباء» لن يقبل أن يبقى «متفرجًا» على تسعير الحكومة، وسيدفع بطريقة أو بأخرى – عبر عقود، أو إعادة هيكلة، أو ضغط سياسي – إلى تعديل التعريفة لصالحه، أو تعويضه بأشكال أخرى (ضمانات، إعفاءات، عقود طويلة الأجل).

 

وما يزيد الشكوك أن هذه الخطوة تأتي متزامنة مع انتظار المراجعتين الخامسة والسادسة لاتفاق القرض مع صندوق النقد، حيث ينص البرنامج بوضوح على التوسع في بيع الأصول العامة كشرط لاستمرار التمويل. بمعنى آخر: الطرح ليس قرارًا تنمويًا مدروسًا، بل استجابة لأمر دائن دولي يبحث عن ضمانات لسداد ديونه، ولو على حساب أمن مصر الكهربائي.

 

دستورًا: الثروة ملك الشعب.. وفعليًا: تُباع بلا استفتاء ولا شفافية

 

الدستور المصري ينص على أن المال العام والثروات القومية ملك للشعب، وأن الدولة مؤتمنة عليها. في الحالة الطبيعية، أي نقاش حول بيع أصل بحجم «الشركة المصرية لنقل الكهرباء» كان يجب أن يمر عبر:

 

•  حوار مجتمعي واسع،

 

•  ومناقشات برلمانية حقيقية،

 

•  وربما استفتاء شعبي على بيع أصل يرتبط مباشرة بالأمن القومي.

 

بدلًا من ذلك، تتصرف الحكومة كأنها مالك خاص لهذه الأصول، تتوارثها وتتصرف فيها كيفما تشاء، وتتعامل مع صندوق النقد كـ«صاحب الكلمة العليا» في التوقيت والنوع والكم، من الأسمدة للبنوك للمطارات والموانئ، والآن الكهرباء.

 

الأكثر فجاجة أن الحكومة – بحسب «التقرير» – رفضت عروضًا خليجية ومحلية لإدارة وتشغيل بعض المطارات بحجة أن قيمتها المالية متدنية، بينما لم نسمع حتى الآن عن رفض مماثل في ملف الشركة المصرية لنقل الكهرباء، رغم خطورتها الاستراتيجية. وكأن الرسالة:

 

•  المطارات يمكن التفاوض عليها قليلًا،

 

•  أما شبكة الكهرباء، فلا مانع من بيعها «بأحسن سعر» تحت إشراف الصندوق!

 

في المقابل، حين يتعلق الأمر بالشركات المملوكة للجيش، الصورة تنقلب تمامًا:

 

•  الاتفاق مع صندوق النقد منذ 2022 يتحدث عن إشراك القطاع الخاص في شركات الجيش.

 

•  لكن ما حدث عمليًا هو مساومة وتسويف: طرح شركات مثل «صافي» و«وطنية» ثم سحبها، عروض تُعلن ثم تختفي، بينما لا تجرؤ الحكومة على الضغط لبيع شركة عسكرية واحدة تعمل في الاقتصاد المدني.

 

الخلاصة:

 

•  القطاع المدني: يُباع بلا تردد، من الكهرباء للأسمدة للموانئ.

 

•  القطاع العسكري: منطقة محرّمة، كل ما يُقدَّم عنها مجرد ديكور لطمأنة الصندوق.

 

اختراق اقتصادي يمهّد لاختراق سياسي.. وبيع الأصول ليس إصلاحًا بل تأجيل انفجار

 

وجود شركات عسكرية ضخمة في قلب الاقتصاد المدني شوّه قواعد المنافسة وطرد القطاع الخاص الحقيقي من مجالات كثيرة، لأن الجيش ينافس بإعفاءات ضريبية وجمركية وأرض مجانية وشبكات نفوذ، لا بقواعد السوق العادية.

 

في أي رؤية إصلاح حقيقية، كان الطبيعي أن تبدأ الدولة بـ:

 

1.  تقليص حضور الجيش الاقتصادي،

 

2.  إعادة ضبط قواعد المنافسة،

 

3.  ثم فتح المجال للقطاع الخاص المحلي في بيئة قانونية واضحة.

 

ما يحدث هو العكس تمامًا:

 

•  الإبقاء على إمبراطورية الجيش الاقتصادية كما هي تقريبًا،

 

•  وبيع أصول مدنية استراتيجية إلى مستثمرين خليجيين غالبًا، بما يفتح الباب لاختراق اقتصادي عميق يمنح هذه الدول نفوذًا سياسيًا وأمنيًا داخل مصر، كما فعلت تجارب مشابهة في دول إفريقية سمحت بتمديد نفوذ الاستثمارات الخليجية على حساب استقلال قرارها.

 

وفوق كل ذلك، فكرة أن بيع الأصول هو الحل لأزمة الاقتصاد فكرة مدمرة؛ فحصيلة البيع تُستخدم عادة لسداد جزء من الدين أو سد فجوة دولارية مؤقتة، ثم تعود الأزمة بأشد مما كانت:

 

•  لا تمتلك الدولة الأصل بعد ذلك،

 

•  ولا تزال تعاني من نفس المشكلات الهيكلية:

 

o  بنية قانونية طاردة،

 

o  تمييز لصالح الجيش،

 

o  تزاحم حكومي مع القطاع الخاص على التمويل البنكي،

 

o  وانحياز للاستثمار العقاري والمشروعات الاستعراضية على حساب الصناعة والزراعة.

 

الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحفيز الأنشطة الإنتاجية وتثبيط الاستثمار العقاري الريعي، وإصلاح منظومة الضرائب والتمويل، وإنهاء امتيازات القطاع العسكري، لا من بيع «سلك الكهرباء» الذي يغذي البلد كلها.

 

طرح الشركة المصرية لنقل الكهرباء ليس مجرد صفقة مالية؛ إنه قرار استراتيجي بفك قبضة الدولة عن شريان حيوي وتسليمه لتحالف من الدائنين والمستثمرين، في وقت لا يملك فيه الشعب أي صوت حقيقي في ما يجري.

 

وحين تُطفأ الأنوار يومًا ما، لن يكون السؤال فقط: من قطع الكهرباء؟ بل أيضًا: من الذي باع زرّ التشغيل من الأصل؟