يقول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، إن الإسلام لا يتعامل مع الناس ككتلة واحدة من الأبطال الخارقين، ولا يطلب من الجميع أن يقفوا في صفّ سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، فيواجهوا أئمة الجور وطواغيت الحكم طلبًا للشهادة في أعلى مراتبها.

 

ويذكّرنا العلامة بأن الفضائل العالية ليست فرائض عامة، وأن التكليف في الإسلام مربوط بالطاقة والوسع، لا بالأحلام المثالية ولا بشعارات “الكل أو لا شيء”.

 

ينطلق االقرضاوي من نقد واضح لمن يطالبون الناس بإسلام كامل أو تركه بالكلية، ومن يحصرون تغيير المنكر في “اليد” ويسقطون مراتب اللسان والقلب، متجاهلين تفاوت طاقات البشر، وقسوة الواقع، وضغط الأنظمة الجائرة. وبين الأمثلة القرآنية والنبويّة، وكلام ابن تيمية عن الاستطاعة، يتشكل إطار متكامل لفقه واقعي يقدّر ظروف الناس وأعذارهم، دون أن يبرر الاستسلام، ودون أن يحوّل الدين إلى برنامج بطولات فردية لا يطيقها إلا “أولو العزم وقليلٌ ما هم”.

 

بين حمزة وعموم الناس: فضيلة الشهادة ليست فريضة عامة

 

ينطلق الدكتور من قاعدة حاسمة: ليس مطلوبًا من عموم الناس أن يكونوا في مستوى حمزة بن عبد المطلب في مقارعة الظلم والقهر، ولا أن يندفعوا جميعًا إلى مواجهة مباشرة مع طغاة الحكم طلبًا للشهادة. هذه منزلة فضيلة عظمى، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى واجب على كل مكلف، ولا يُحاسَب الناس على تركها.

 

بعض الناس لا يملك إلا كلمة حق من بعيد، وربما يختار الصمت إذا رأى أن لا جدوى من الكلام في واقع يصفه النص بانتشار “شح مطاع وهوى متبع، ودنيا مؤثَرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه”. في مثل هذا السياق، قد يعكف المرء على “خويصة نفسه”، مكتفيًا بالتغيير القلبي، وهو – كما في الحديث – أضعف الإيمان، لكنه يظل مرتبة معتبرة شرعًا، لا تُحتقر ولا تُلغى.

 

أمام هذا التنوع في المواقف، يرفض النص القراءة التبسيطية لفقه التغيير، ويعرض مسارات متعددة:

 

•  من يرى أن البداية تكون من إصلاح الأفراد والقاعدة حتى تنصلح الجماعة.

 

•  ومن يرى أن مواجهة الأنظمة الفاسدة لا تكون إلا عبر عمل جماعي منظّم، واضح الأهداف، طويل النفس، عميق الجذور، تتبناه حركة إسلامية شعبية قادرة على نقل الأحلام إلى واقع.

 

في قلب هذا كله، تأتي القاعدة الذهبية: “من الجائز – بل من المطلوب – السكوت على المنكر مخافة وقوع منكر أكبر”؛ أي احتمال أهون الشرين، وارتكاب أخف الضررين. هذه ليست “هزيمة أخلاقية”، بل تطبيق لقاعدة راسخة في أصول الفقه: ليس كل إنكار في الظاهر خيرًا، إذا كان سيجرّ وراءه شرًا أعظم على الدين والناس.

 

حين يكون ترك الإنكار حفاظًا على الجماعة: هارون والبيت الحرام وجور الأئمة

 

لترسيخ هذا المعنى، يستحضر القرضاوي ثلاث صور قوية من الوحي والسيرة:

 

1.  هارون عليه السلام وعجل السامري

 

هنا يتجاوز الانحراف مجرد معصية؛ إنه شرك صريح وعبادة عِجل. ومع ذلك، نجد هارون يسكت بعد أن أنكر في البداية، ويدافع عن موقفه أمام موسى عليهما السلام بقوله:

 

“إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم تَرْقُب قولي”.

 

بمعنى أنه قدّر أن تفكك الجماعة واندلاع الصراع الداخلي في غيبة القائد الأول (موسى) مفسدة أشدّ من الاستمرار المؤقت في هذا الانحراف، في انتظار عودة موسى ليتولى التصحيح بمعادلة أكثر أمانًا للجماعة.

 

2.  امتناع النبي ﷺ عن إعادة بناء الكعبة

 

في حديث عائشة، يصرّح النبي ﷺ أنه لولا أن قريشًا حديثو عهد بجاهلية لهدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم. ترك فعل ما يراه مطلوبًا شرعًا مراعاة لحالة النفوس وحداثة العهد بالإسلام، خشية فتنة أكبر قد تطيح بأصل الدين في قلوبهم، أو تولّد ردود فعل عكسية.

 

3.  الصبر على جور الحكام ما لم يظهر الكفر البواح

 

النص يستدعي أحاديث تأمر بالصبر على جَور الأئمة إذا عجز الناس عن خلعهم دون فتنة أعظم، تُراق فيها الدماء وتنتهك الحرمات دون أن يتحقق تغيير حقيقي. ويذكّر بالضابط النبوي الواضح:
“إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان”.

 

بهذه الأمثلة، يضرب العلامةعرض الحائط بمثالية “الحالمين” الذين لا يعترفون بدرجات ولا وسط، ويطالبون الناس بـإسلام كامل في كل شيء أو ترك الإسلام بالكلية. هؤلاء – كما يصفهم – يحصرون تغيير المنكر في اليد وحدها، ويسقطون الإنكار باللسان والقلب، ولا يعترفون بحقائق تفاوت القوى، ولا بتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي.

 

«لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»: فقه الاستطاعة من ابن تيمية إلى واقع الناس

 

المقطع الأخير من النص يستند إلى كلام نفيس لابن تيمية، يجعل منه فصل الخطاب في هذا الباب. ينطلق من إحصاء لآيات:

 

“لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”،

 

“لا نكلف نفسًا إلا وسعها”،

 

“لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها”،

 

“فاتقوا الله ما استطعتم”،

 

ليقرر قاعدة قطعية: التكليف في الإسلام مرتبط بالطاقة، والعجز يسقط الواجب أو يخفّف درجته، والخطأ والنسيان مرفوعان عن العباد.

 


يعمّق ابن تيمية المعنى فيقول إن المجتهد – إمامًا كان أو حاكمًا أو عالمًا أو مفتيًا – إذا بذل وسعه واتقى الله ما استطاع فهو مطيع غير معاقب، وإن أخطأ في إصابة الحق من حيث الواقع؛ له أجر الاجتهاد واستفراغ الوسع. ويرد بذلك على من توهّم أن “استفراغ الوسع” يعني بالضرورة الوصول للحقيقة دائمًا، مؤكدًا أن الثواب مرتبط بالسعي الصادق لا بالنتيجة وحدها.

 

ثم يوسّع دائرة التطبيق إلى أحوال الكفار الذين آمنوا بالنبي ﷺ وهم في ديارهم، كـ النجاشي ملك الحبشة؛ آمن برسالة الإسلام ولم يستطع الهجرة، ولا تطبيق كل شرائع الدين، لعجز واقعي عن إظهار دينه أو تغيير قوانين دولته. ومع ذلك، يُقدَّم نموذجًا لمؤمن من أهل الجنة، شبيهًا بمؤمن آل فرعون، وبحال يوسف عليه السلام في مصر الكافرة التي لم يستطع أن يفرض فيها كل ما يعرف من شرع الله.

 

هذا النموذج ينسف خطابًا تبسيطيًا متكررًا: أن من لم يهاجر، أو لم يقاتل، أو لم يُظهر كل أحكام الدين في بيئته، فهو ناقص الإيمان أو ساقط العدالة. النص بوضوح يقرر:

 

•  من آمن واتقى الله ما استطاع، وعجز عن بعض الشرائع، فهو في دائرة رضوان الله.

 

•  كثير من شرائع الإسلام قد لا يتمكن بعض الناس من تطبيقها لظروف قهرية؛ فلا يُكلَّفون بما يعجزون عنه.

 

ومن ثمّ، يمتد هذا الفقه ليشمل من يتولى منصبًا في بيئة مختلّة (قاضيًا، وزيرًا، أو مسؤولًا بين المسلمين والتتار كما يقول ابن تيمية)، فيطبّق من العدل ما يستطيع، ويعجز عن كامل ما يتمنى؛ فلا يسقط عنه وصف الطاعة لمجرد عدم تحقيق الكمال.

 

في ضوء هذا كله، يقدّم العلامة إجابة عملية على سؤال مزمن في خطاب الحركات الإسلامية والدعاة والمصلحين:

 

•  ليس كل صمت خيانة، فقد يكون عجزًا أو تقديرًا لمفسدة أكبر.

 

•  وليس كل إنكار بالسيف أو الهتاف بطولة شرعية، إذا جرّ على الناس خرابًا لا يتحمله أحد.

 

•  وليس كل من قصّر عن الكمال ساقطًا خارج دائرة الإسلام أو الإصلاح.

 

إنه فقه الواقعية المسؤولة: أن تطلب من الناس ما يقدرون عليه، وتفتح أمامهم درجات من العمل والإيمان، من أعلى مراتب الشهادة حتى أضعف الإيمان القلبي، مع الحفاظ على الوجهة والنية، ودون أن تحوّل الدين إلى امتحان قاسٍ لا ينجو منه إلا قلة، ولا يسع الناس إلا الشعور بالعجز والذنب.