أحصى الكاتب الصحفي جمال سلطان، خمسة أخطاء "قاتلة" لجبهة الإنقاذ التي تشكلت من قوى مدنية معارضة لحكم الرئيس محمد مرسي، ودعت إلى مظاهرات 30 يونيو 2013، التي مهدت للانقلاب على الرئيس المنتخب في الثالث من يوليو من العام ذاته.
والأخطاء الخمسة كما رصدها سلطان، هي:
الاستعانة بالعسكر في مواجهة الإسلاميين
• الخطأ الأول والأفدح، هو تصور أن الخطر عليهم وعلى الديمقراطية هم الإسلاميون، بقوة حضورهم الشعبي، وقدرتهم على الحشد أمام صندوق الانتخاب، وبالتالي التفكير بالاستعانة بالعسكر لمواجهتهم، على اعتبار أنه لا يمكن إزاحتهم من السلطة أو تحجيمهم إلا بقوة الجيش، وأنه لا توجد قوة مدنية تستطيع ذلك بدون مساعدة الجيش.
وهنا وقعت "جبهة الإنقاذ" التي جمعت معارضي مرسي، في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الإخوان، عندما تصوروا أن الخطر عليهم هو البرادعي وحمدين صباحي وسيد البدوي، ولم يدرك الطرفان أن الخطر الأفدح والأثقل هو العسكر الذين يتربصون بالتجربة، وينتظرون لحظة الخلاص منها.
ثقة جبهة الإنقاذ في حيادية الجيش، أو في دعمه للتغيير أو الديمقراطية كان حماقة سياسية، لم تقرأ تاريخ تجارب الشعوب، بل لم تقرأ تاريخ التجربة المصرية نفسها في الانقلاب الأول يوليو 1952، وما تلاه حتى أحداث 1954، فالعسكر لا يقبلون شراكة، ولا ينظرون إلى المدني إلا سكرتيرًا خادمًا ينفذ توجهاتهم ويفصل مخرجاتها مؤسسيًا، ولا يحترمون شيئًا اسمه إرادة الشعب، ولا الديمقراطية.
هذه كلها بديهيات غابت عن جبهة الإنقاذ، لقد تصوروا أن ما حدث في فبراير 2011، عندما أجبر الجيش مبارك على التنحي ثم دعا لانتخابات رئاسية فاز فيها مرشح مدني، يمكن أن تتكرر في 2013، ولم ينتبهوا إلى أن الخريطة السياسية تغيرت، وميزان القوى تغير، والشارع انقسم، والثورة تبعثرت قواها بل وتناطحت، وأن سلوكهم هذا يجعل من العسكر حكما بين الفريقين، وسيدا على قرار الدولة كلها.
الشراكة مع فلول نظام مبارك
• الخطأ الثاني الذي ارتكبته جبهة الإنقاذ، أنها قبلت الشراكة مع فلول نظام مبارك، من أجل إسقاط حكم الإخوان في تصورهم، وصحيح أن الهدف مشترك بين الاثنين، لكن ما بعد الهدف المشترك لا يوجد هناك أي نقطة تلاقي، بل إن الفلول هم تربية أجهزة مبارك ومخرجاتها، ولهم ثأر مع ثورة يناير ورموزها.
فكيف تصور الإنقاذيون أن هؤلاء سيكونون دعما لتأسيس ديمقراطي سلمي إذا نجحوا في إسقاط حكم مرسي والإخوان، لقد تحركت جبهة الإنقاذ هنا ـ أيضًا ـ بدافع الغريزة والكراهية، وليس بدافع العقل السياسي، والحكمة السياسية، فظهرت احتجاجاتهم في الشوارع مشينة، يتصدرها البلطجية وأصحاب السوابق بما يصعب أو يستحيل نسبتها إلى أي نضال سياسي محترم، وكان دور جبهة الإنقاذ مجرد تشكيل غطاء سياسي لأعمال البلطجة التي كانت تشرف عليها أجهزة في الدولة.
تجاهل الحوار السياسي مع إدارة مرسي
• الخطأ الثالث أن جبهة الإنقاذ تجاهلت بشكل شبه تام، إدارة الحوار السياسي الجاد والعميق مع إدارة مرسي، وأقطاب حزبه وجماعته، وممارسة الضغوط من خلال تلك الحوارات، فالحوار السياسي من أهم أدوات السياسة لإدارة عاقلة للصراع السياسي.
أحيانا كانوا يكتفون بإرسال رسائل إلى الرئاسة عبر قائد الجيش الفريق عبدالفتاح السيسي، وبطبيعة الحال لم تكن الرسائل تصل بشكل صحيح كما عرف بعد ذلك.
كانت المسؤولية الوطنية تقتضي الإصرار على التواصل مع إدارة مرسي مباشرة، والصبر عليها، لحماية مكتسبات النضال السلمي، ولمنع الجيش من الانخراط مجددا في السياسة، وتغزية أطماعه في العودة إلى السلطة، حتى مع استهانة الجماعة بالقوى المدنية أو تجاهل وجودها.
فهذا كان يمكن علاجه بضغط الشارع المقنن، كما كنا نفعل أيام ثورة يناير، بالضغط على المجلس العسكري بالمليونيات، كان يمكن التلويح بمليونيات لإجبار إدارة مرسي على الجلوس على طاولة المفاوضات والحوار الذي كان من الممكن أن يفضي إلى حلول وسط، أو دفع الشكوك، أو تخفيف المخاوف، الإنقاذ لم تفعل ذلك، واستسلمت تماما لدور الجيش نيابة عنها.
الصمت عن مذابح ما بعد الانقلاب
• الخطأ الرابع، أن الجبهة لزمت الصمت والكمون بعد الانقلاب، ولم تتصد لعمليات سحق شباب الإسلاميين في الشوارع والميادين بمذابح مروعة، لم تستوعب الجبهة وقتها أن هذه الرسالة المطعمة بالدم ورائحة الدم، هي موجهة للجميع، رسالة تقول أنه لن يسمح بالشارع بعد اليوم.
كانت هذه لحظة مفصلية، تستدعي أن تنزل الإنقاذ بكل أطيافها إلى الشارع لوقف الاستباحة، وإرسال رسالة للعسكر بأن الثورة لم تمت، توارت جبهة الإنقاذ.
ولم تستوعب أن سحق الإسلاميين سيضعف حضورهم هم أيضا في الشارع، مصدر قوتهم الوحيد أمام العسكر، واستمتع بعض عناصرها بدفء الوزارة المؤقتة، ولقب وزير، حيث لم يمض وقت طويل بعد فراغ العسكر من الخلاص من الإخوان وأنصار مرسي، حتى استداروا لكل أقطاب ثورة يناير، بمن فيهم المحسوبون على جبهة الإنقاذ، وأصبحوا ما بين طريد وشريد وقتيل وسجين.
ومن حاولوا منهم النزول إلى شوارع وسط القاهرة للاحتجاج حصدتهم الشرطة بالرصاص الحي، لأن الحسابات السياسية كانت خاطئة تمامًا منذ البداية، وأنهم يوم أكل الثور الأبيض كانوا هم في حكم الوليمة المقبلة حتمًا.
التعاون مع الإمارات
• الخطأ الخامس، أن الجبهة قبلت التعاون مع جهات خارجية معادية بالأساس لثورة يناير، مثل الإمارات، بل شكل بعض أقطاب الجبهة غطاء سياسيا غير أخلاقي لنشاطات ترقى إلى مستوى "الجاسوسية"، على النحو الذي مثلته حركة تمرد، التي مولتها الإمارات، ليس بهدف إسقاط حكم الإخوان، بل بهدف تدمير ثورة يناير بكاملها.
لقد بدا أن جبهة الإنقاذ تستعين حتى بالشيطان من أجل إسقاط حكم خصمها محمد مرسي والجماعة، مدفوعة بنوازع الكراهية والعمى الأيديولوجي، وليس بالعقل السياسي، والإخلاص للوطن والثورة.

