يتحدث الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، عن نوع خاص من الفقه يغيب عن كثير من الناس، وهو فقه سُنن الله في خلقه وفي شرعه وفي تغيير الواقع.
فالله عز وجل جعل للتغيّر والتغيير قوانين ثابتة لا تحابي أحدًا، ومن يجهلها يصطدم بالواقع مهما حسنت نياته واشتد حماسه.
يبدأ الكلام بالتنبيه إلى سنة التدرّج، وأن العجلة طبيعة في الإنسان عمومًا، وفي الشباب على وجه الخصوص، وأن من سمات هذا العصر حب السرعة والرغبة في النتائج الفورية.
كثير من الشباب المتحمس لدينه يريد أن يغرس اليوم ليجني الثمرة غدًا، أو يزرع في الصباح ليحصد في المساء، وينسى أن سنة الله الكونية لا تقبل هذا الأسلوب؛ فالنواة لا تصبح شجرة مثمرة إلا بعد مراحل، قد تقصر أو تطول بحسب نوعها وتربتها ومناخها، حتى تؤتي أكلها بإذن ربها.
وكذلك خَلق الإنسان نفسه يمضي وفق تدرّج دقيق: الجنين يمر بمراحل النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام التي يكسوها الله لحمًا، ثم ينشأ خلقًا آخر حتى يخرج إلى الحياة طفلًا، كما قال تعالى:
«فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (المؤمنون: 14).
ثم يتدرج هذا الطفل من وليد إلى رضيع، ففطيم، فصبـي، فـيافع حتى يبلغ أشدّه. وهكذا هي الحياة كلها؛ انتقال من مرحلة إلى أخرى حتى يكتمل البناء.
وكذلك كان ديننا في نزوله وتشريعه: بدأ عقيدة سهلة، ثم نزلت التكاليف شيئًا فشيئًا، وفُرضت الفرائض، وحُرِّمت المحرمات، وفُصِّلت الشرائع بالتدرّج حتى كَمُل الدين، ونزل قول الله تعالى:
«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» (المائدة: 3).
من هنا ينتقل العلامة إلى نقد ظاهرة تتكرر في أوساط الشباب؛ إذ يجتمع بعض الفتية المتحمسين، يتشكون من سوء حال المسلمين، فيؤلفون من أنفسهم جماعة لإصلاح ما فسد وبناء ما انهدم، ثم ينساقون إلى أحلام كبيرة غير منضبطة، فيتمنون أن يقيموا دولة الإسلام بين عشية وضحاها، ويحقِّقوا النصر الكامل في زمن وجيز، دون أن يقدّروا حجم العوائق والعقبات، ودون وعي حقيقي بمحدودية إمكاناتهم.
يشبههم النص بالرجل الذي رأى في منامه أنه يسبح في غير ماء ويطير بلا جناح، فسأل ابن سيرين عن تعبير رؤياه، فقال له: أنت رجل كثير الأماني والأحلام.
ولهذا استُحضِر وصية الإمام علي رضي الله عنه لابنه:
«وإياك والاتكال على المُنى، فإنها بضائع النوكى!» أي الحمقى
وقول الشاعر:
«ولا تكن عبدَ المُنى فالمنى ... رؤوسُ أموالِ المفاليسِ!»
يؤكد القرضاوي أن الواقع السيئ لا يتغير بالأماني الطيبة، فسنن الله في تغيير المجتمعات لا تجامل أحدًا، وأن القرآن ربط بوضوح بين تغيّر الأحوال وتغيّر ما في النفوس، في قول الله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الرعد: 11)،
وقوله سبحانه:
«ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الأنفال: 53).
ويشير إلى كتاب الأستاذ جودت سعيد «حتى يغيروا ما بأنفسهم»، الذي قدم دراسة نفسية اجتماعية عميقة في ضوء هاتين الآيتين، مبينًا أن كثيرًا من شباب العالم الإسلامي مستعدون لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام، لكن نادرًا من يرضى أن يبذل سنين من عمره في دراسة جادة متأنية، ينضج فيها موضوعًا أو يعالج فيها إشكالًا فكريًا أو سلوكيًا عميقًا، كالمشكلة المزمنة بين سلوك المسلم وعقيدته.
فالتغيير لا يتم إلا بعد إجابات موضوعية صادقة عن الأسئلة الكبرى، ولا يكون ذلك إلا بالدرس والتحصيل.
ويبيّن العلامة أن سبب بطء نمو هذا النوع من الدراسات هو أن الوسط الإسلامي لم يُدرك بعد قيمة الدراسة والعلم المنهجي، إذ ظل زمنًا طويلًا يردد أن «السيف أصدق أنباءً من الكتب»، ولا يرى بوضوح أن «الرأي قبل شجاعة الشجعان».
وهكذا بقيت هذه المعاني في ظلمات بعضها فوق بعض: لم تُرَ العلاقة الصحيحة بين القوة والفكر، ولا الترتيب الطبيعي بينهما.
ويضيف أن العالم الإسلامي لم يدرس بعد دراسة كافية «شروط الإيمان» بمعناها النفسي؛ أي ما يجب تغييره مما بالنفس حتى يثمر الإيمان عملًا وسلوكًا، وما هي الموانع التي تمنع العقيدة من إعطاء ثمراتها في الواقع.
كما ينتقد النظر الذي يرفع بذل المال والنفس إلى أعلى المراتب، دون الالتفات إلى ما يجعل هذا البذل مجديًا ومثمرًا؛ فالعبرة ليست بمجرد البذل، بل بتحقق شروطه الفنية والعلمية.
كثير من الشباب يمكن أن يقدِّم نفسه أو ماله في لحظة حماس، لكنه لا يقوى على حبس نفسه سنوات في طلب العلم والفهم والتخطيط، لأن بذل النفس في لحظة توتر أسهل من جهد يومي متواصل يحتاج إلى وعي عميق يكون وقودًا للاستمرار.
القرضاوي يلفت النظر كذلك إلى أن كثيرًا من الأعمال والدراسات تبدأ في لحظة حماس، ثم لا تلبث أن تفتر الهمة وينزل الملل، فينقطع العمل كما ينطفئ المصباح حين يفقد وقوده.
ولهذا يدعو إلى درس النظرات المعوِّقة عن العلم، وكشف عوامل الغفلة التي تجعل الشاب يبدأ ثم ينقطع، لأن تلك العوامل تتحرك وفق شروط دقيقة لا تراها النظرات السريعة.
ومن المفارقات التي يسجلها الكاتب، أن نتطلع لتغيير الواقع بشوق، دون أن يخطر في بالنا أن هذا التغيير لن يقع إلا إذا سبقته عملية تغيير عميقة في النفوس.
نحن نشكو ثقل الواقع ووطأته، لكننا قلّما نلتفت إلى أن كثيرًا مما بأنفسنا هو الذي يمنح هذا الواقع حق البقاء والاستمرار.
وهنا يعود النص لتأكيد مركزية ما يريده القرآن من البشر: أن يعيدوا النظر دائمًا إلى ما بالنفس، بوصفه أصل المشكلة ومفتاح الحل؛ فالمشكلة في جوهرها ليست الظلم القادم من الخارج بقدر ما هي الظلم الذي ينزله الإنسان بنفسه، وهذا هو لبّ التاريخ وسنة الاجتماع كما يقررها القرآن، وبإغفالها تظلم الحياة وتنشأ الفلسفات المتشائمة الخانعة، أو الفلسفات المتسلطة المستبدة.
ويختم العلامة بالإشارة إلى أن من أكبر صور الظلم التي ينـزلها الإنسان بنفسه أن يتجاهل العلاقة التسخيرية التي أودعها الله بين الإنسان والكون والمجتمع، «الآفاق والأنفس»، فيُهمِل عقله ولا يضع نفسه في موقع من يسعى لاكتشاف القوانين والسنن وتسخيرها.
فالعقل أمام المشكلات يمكن أن يتخذ أحد موقفين: إما أن يفترض أن هذه المشكلات تخضع لقوانين يمكن كشفها والسيطرة على آثارها، وإما أن يتعامل معها كأمور غامضة لا قانون لها، تعمل في حياة البشر بطريقة «سحرية خارقة».
لكل موقف نتائجه في السلوك والواقع، وعجز المسلمين عن أن يعيشوا وفق عقيدتهم حقيقة ثابتة لا تحتاج إلى برهان، لكن السؤال: هل نواجه هذه المشكلة باعتبارها خاضعة لسنن يمكن فهمها ومعالجتها، أم نتركها في حيز الغموض ونعلّق أنفسنا على الأقدار دون عمل ولا دراسة؟
بهذا يقدّم الدكتور يوسف القرضاوي رسالة متماسكة: لا تغيير بلا فهم، ولا نهضة بلا صبر وتدرّج، ولا جدوى من حماس لا يسنده علم ولا وعي بسنن الله في خلقه وفي تغيير ما بالأنفس.

