لم يعد الفقر في مصر يُقاس بعدد الجنيهات في الجيب، بل بما يمكن لهذه الورقات أن تفعله حين يمرض طفل، أو تُقطع الكهرباء، أو تصل فاتورة المدرسة والصيدلية. فى زمن انقلاب العسكر تحوّل ملايين المصريين إلى «مليونيرات على الورق، فقراء فى الحياة اليومية»؛ أرقامٌ في البنوك أو في عقود الشقق والمحلات، لكن قيمتها الحقيقية تآكلت إلى حدّ العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية.

 

السياسات الكارثية لعصابة الحكم – من تعويمات متتالية، وانفجار فى الديون، ومشروعات خرسانية بلا عائد حقيقى، وتضييق على القطاع المنتج – صنعت حالة «إفقار بالقيمة لا بالرقم»؛ فأنت قد تمتلك مليون جنيه، لكن هذا المليون لم يعد يساوى ما كان يساويه قبل بضع سنوات، ولا يحمى صاحبه من صدمة مرض أو قفزة إيجار أو زيادة مصروفات مدرسة خاصة.

 

إفقار بالقيمة لا بالرقم.. مجتمع كامل تحت الضغط

 

بند الغذاء ابتلع الآن أكثر من نصف دخل كثير من الأسر المصرية، بعدما كانت دراسات سابقة تشير إلى أن الأسرة المتوسطة تنفق أكثر من 40% من دخلها على الطعام وحده، فى بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين أكثر من 40% من احتياجاته من السعرات الحرارية، وعلى رأسها القمح. مع موجات الغلاء المتلاحقة بعد 2022، قفزت هذه النسبة فعلياً إلى ما فوق 50% فى شرائح واسعة، ما يعنى أن ما تبقّى للإيجار، وفواتير الكهرباء والماء، والتعليم، والعلاج يكاد يختفى.

 

«م.س» صاحب شركة متوسطة فى القاهرة يلخص المأساة بجملة صادمة: «أنا مليونير على الورق، فقير فى الحياة اليومية». يملك أصولاً عقارية وتجارية بملايين الجنيهات، لكنها أصول جامدة لا توفر سيولة يومية، بينما تضاعفت مصروفات البيت أكثر من ثلاث مرات؛ من غذاء وعلاج وتعليم وفواتير. إن حاول البيع خسر نصف القيمة الحقيقية بسبب الانهيار الرهيب فى القدرة الشرائية للجنيه.

 

موظفة القطاع الخاص «ن.ع» كانت تُصنَّف «طبقة وسطى مرتاحة»، اليوم ينتهى راتبها قبل منتصف الشهر: تقليص للطعام، استغناء عن دروس خصوصية، تأجيل كشف طبى، وإلغاء أى بند ترفيه أو سفر. هذا الانزلاق لا يحدث بين ليلة وضحاها؛ بل عبر استنزاف يومى للدخل والمدخرات، حتى تجد الأسرة نفسها تعيش نمط حياة الفقراء، مع أنها على الورق ليست فقيرة رسمياً.

 

الخبير الاقتصادى إبراهيم نوار يرى أن الفقر فى مصر لم يعد حالة تخص الهامش الاجتماعى، بل أصبح ظاهرة عامة تمس قطاعات واسعة من المجتمع، مقدراً معدل الفقر «الحقيقى» بأكثر من 40%، فى حين تشير تقديرات دولية إلى أن الفقر وصل إلى نحو 33% فى 2022، مع تآكل متسارع فى الطبقة الوسطى. نوار وصف ما يجرى بـ«الإغماء الاجتماعى»؛ الناس تحت صدمات أسعار متكررة، يهرب بعضهم إلى المخدرات أو الجريمة أو حتى الانتحار، فى مواجهة واقع خانق لا أفق له.

 

بهذا المعنى، الفقير يزداد فقراً، والطبقة الوسطى تنزلق إلى أسفل، وحتى الأغنياء التقليديون يشعرون لأول مرة بالهشاشة؛ ثروة على الورق، بلا أمان حقيقى.

 

ديون، تضخم، وجنيه منهار.. صناعة «المليونيرات الفقراء»

 

فى قلب هذه المأساة يقف انفجار الدَّين العام وسياسات الإنفاق الجنونى على مشروعات الجيش والعاصمة الإدارية، بينما تُخنق الصناعة والزراعة والقطاع الخاص الحقيقى. أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة عالية المهدي تحذّر من أن أقساط وفوائد الديون باتت تلتهم نحو 65% من الإنفاق العام، وتساوى حوالى 142% من إجمالى إيرادات الدولة، واصفة هذا المسار بأنه «انتحار مالى» يقضى على قدرة الدولة على الإنفاق الاجتماعى والاستثمار المنتج، ويدفع بالأسر – خاصة الطبقة الوسطى – إلى فقر مستدام.

 

هذا العبء المالى ترافق مع موجة تضخم تاريخية؛ فقد سجل التضخم الحضرى السنوى مستوى قياسياً عند 38% فى سبتمبر 2023، قبل أن يتراجع إلى نحو 12% فى أواخر 2025، لكن تراجع النسبة لا يلغى الأثر التراكمى، فأسعار السلع والخدمات قفزت ثم استقرت عند مستويات مرتفعة، بينما دخول الناس لم تلحق بها. كما قالت عالية المهدى نفسها: ما حدث لمعدلات التضخم «غير مسبوق» حتى فى أزمنة الحروب وبرامج «الإصلاح» السابقة.

 

فى الوقت نفسه انهار الجنيه بفعل قرارات تعويم متتالية فرضها مسار التحالف بين العسكر والدائنين الدوليين. سعر الصرف الرسمى تحرك من متوسط يقارب 15.7 جنيهاً للدولار فى 2021 إلى ما يقرب من 50 جنيهاً فى مطلع 2026، بينما تجاوزت الأسعار الفعلية فى السوق مستويات أعلى بكثير، ما يعنى عملياً فقدان العملة لأكثر من نصف قيمتها فى سنوات قليلة.

 

الخبير فى أسواق المال هاني توفيق يلخّص المعضلة قائلاً إن مشكلة مصر الحقيقية ليست فى الدولار أو رقم الدين فى حد ذاته، بل فى التضخم وتآكل قيمة المدخرات وضياع الحد الأدنى اللائق من الدخل. يشير توفيق إلى أن مصر تحتل مرتبة متأخرة عالمياً فى مستويات الأجور (بمتوسط دخل شهرى يقارب 165 دولاراً ومرتبة تدور حول 137 عالمياً)، ما يعنى أن العامل المصرى يواجه أسعاراً عالمية تقريباً بدخل من أدنى دخول العالم.

 

هكذا وُلدت ظاهرة «المليونيرات الفقراء»: من ادّخر مليون جنيه قبل عدة سنوات يكتشف اليوم أن هذا المبلغ – بالقيمة الحقيقية – أصبح أقرب إلى 400 ألف فقط، وأنه غير كافٍ لتأمين مسكن وتعليم وعلاج كريم لأسرته. ومع كل تعويم جديد، وكل زيادة فى أسعار الوقود والكهرباء والضرائب غير المباشرة، تلتهم الدولة ما تبقّى من قدرة الطبقة الوسطى على التقاط أنفاسها.

 

الاقتصادى زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، يؤكد أن المجتمع المصرى دفع ثمناً غالياً جداً لبرنامج «الإصلاح» الذى روّج له النظام، وأن الغلاء «اقتحم كل البيوت وكل الطبقات»، بينما التحسن فى المؤشرات الكلية لم ينعكس على حياة الناس، لأن الدخول الحقيقية لم ترتفع بما يوازى الصدمات. الحل عنده لا يكون بتعديل رقم هنا أو هناك، بل بإصلاح شامل وعميق يغير طريقة إدارة الاقتصاد من جذورها.

 

فى الخلفية تقف بنية «رأسمالية عسكرية» تُعيد توزيع الثروة لصالح قلة مرتبطة بالسلطة، عبر مشروعات عقارية وبنية تحتية ضخمها الخبراء باعتبارها أكبر legacy لنظام  قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي: فقر بنيوى، وتراكم للثروة فى العقار والأصول الريعية، واستقطاب اجتماعى حاد، حيث تُسحق الطبقة الوسطى وتُحاصر الفئات الأضعف بمزيج من القمع والعوز.

 

إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. ماذا يقول الخبراء عن طريق الخروج؟

 

السؤال الآن: كيف يمكن وقف هذا النزيف قبل أن تتحول الأغلبية إلى «طبقة هشة» تعيش يوماً بيوم؟ هنا تتقاطع آراء عدد من خبراء الاقتصاد، رغم اختلاف مدارسهم، حول مجموعة من الخطوات الجوهرية لا مجرد «ترقيعات» على هامش سياسة منهارة.

 

أولاً، تدق عالية المهدي ناقوس الخطر عند مستوى الديون، وترى أن استمرار نمط الاقتراض لسداد الفوائد والأقساط – مع تراجع الإنفاق الاجتماعى – سيدفع البلاد إلى حافة الإفلاس الاجتماعى قبل المالى. الحل فى رأيها يبدأ بتجميد المشروعات غير الضرورية، خصوصاً العقارية والإنشائية التابعة للمؤسسة العسكرية، وإعادة توجيه الموارد إلى الاستثمار المنتج والصحة والتعليم، مع زيادة شفافية الموازنة وخضوع «اقتصاد الجيش» لرقابة مؤسسية حقيقية.

 

ثانياً، يشدد هاني توفيق على أن أى حديث عن تحسن فى التضخم أو سعر الصرف لا قيمة له ما لم يُترجَم إلى زيادة فعلية فى دخول الناس، وربط الأجور بمعادلة تجمع بين الإنتاجية والتضخم. طالما بقى متوسط الأجر فى حدود مئات قليلة من الدولارات سنوياً، بينما تُسعَّر السلع والخدمات بالأسعار العالمية تقريباً، سيظل العامل المصرى «يدفع فاتورة إصلاح لا يستفيد منه».

 

ثالثاً، يحذر إبراهيم نوار من أن استمرار مسار الدَّين والتضخم يهدد النسيج الاجتماعى كله؛ إذ يدفع الفئات الأضعف إلى حافة اليأس، ويخلق حالة «إغماء اجتماعى» تستفيد منها السلطة لتمرير مزيد من القرارات المؤلمة دون مقاومة منظمة. يدعو نوار إلى إعادة هيكلة شاملة للديون، والتوقف عن تحميل الفقراء ثمن التفاهمات مع صندوق النقد الدولي، مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية الحقيقية – لا الدعائية – وتحويل الدعم من «منّة» فوقية إلى حق للمواطن.

 

رابعاً، يطالب زياد بهاء الدين بقطع الطريق على وهم «المؤشرات الإيجابية» التى يحتفى بها النظام؛ من تصنيف ائتمانى أو إشادة من جهة دولية، بينما الواقع اليومى يزداد قسوة. برأيه، لا مفر من إصلاح سياسى واقتصادى متزامن: برلمان ورأى عام قادران على مساءلة السلطة، وقضاء مستقل، وحكومة مدنية تمتلك رؤية، وسياسات تعيد الاعتبار للطبقة الوسطى كـ«صمام أمان» للمجتمع، لا كخزان ضرائب ورسوم وجمارك يُستنزف حتى آخر قطرة.

 

فى ظل سيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد، وتقديم مصالح الدائنين والمستثمرين المقربين على حساب لقمة عيش المواطن، لن تكفى مسكّنات رفع الأجور الهزيلة أو منح استثنائية هنا وهناك. ما يعيشه المصريون اليوم هو هندسة منظمة لإفقار بالقيمة: ملايين الجنيهات على الورق، وجيوب فارغة فى الواقع. وكما يلمّح أكثر من خبير، لن يُنقِذ المجتمع من هذا المصير إلا كسر الحلقة الجهنمية: وقف اقتصاد العسكر، واستعادة الدولة لصالح الناس، وإعادة تعريف «الثراء» بأنه القدرة على العيش بكرامة، لا عدد الأصفار فى حساب بلا قيم