لم يخرج أهالي رفح من تحت أنقاض منازلهم المهدَّمة إلى حياة كريمة كما وعدتهم حكومة السيسي، بل نُقلوا من خراب إلى آخر. فـ«رفح الجديدة» التي روِّج لها بوصفها «مدينة الأحلام» و«نموذجًا عمرانيًا حديثًا» للمتضررين من هدم مدينة رفح التاريخية لإنشاء المنطقة العازلة مع غزة عام 2014، تحوّلت سريعًا إلى كابوس إنشائي ومعيشي. شقق تتسرّب منها مياه الأمطار، تشققات وتصدعات في الجدران، أسقف مهددة، وبنية تحتية مرتعشة، في مدينة يُفترض أنها جديدة و«منفَّذة وفق أعلى المواصفات».
ما يرويه السكان والمهندسون المقيمون في رفح الجديدة يكشف أن المشكلة ليست في «عيب بسيط» هنا أو «خطأ فردي» هناك، بل في نمط متكامل من الغش والتساهل، جعل من مشروع إعادة التوطين مجرد صفقة إسكان رديء على أنقاض مدينة أُزيلت بقوة الجرافات، وترك ضحايا التهجير يواجهون مصيرًا جديدًا بلا أمان حقيقي ولا ضمانات.
من «مدينة الأحلام» إلى مدينة تتسرّب من سقفها الدولة نفسها
منذ اللحظة الأولى لتسليم دفعات الشقق، اصطدم الأهالي بواقع يناقض كل الصور الدعائية التي ملأت الشاشات والمنصات الرسمية. يوسف أحمد، أحد سكان المدينة، يروي أن شقته تحولت مع أول موجة أمطار إلى ما يشبه «غربالًا للمياه»: تسرب كثيف من الأسقف، وبلل دائم في الحوائط، ومياه تمتد إلى السلالم والممرات الداخلية، بل وإلى داخل خراطيم الكهرباء، ما خلق أعطالًا متكررة وخطرًا مباشرًا على حياة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن.
هذه ليست حالة فردية؛ شكاوى مماثلة تكررت في أكثر من عمارة ومربّع سكني، بعضها ظهرت عيوبه فور التسليم، وبعضها الآخر بعد أسابيع قليلة من السكن. موجات الأمطار الأخيرة في شمال سيناء كشفت هشاشة البناء وسوء التشطيبات، وأظهرت أن المدينة الجديدة لا تحتمل شتاءً عاديًا، فما بالك بسنوات طويلة كما يُفترض لأي مشروع سكني مصمم ليكون «بديلًا دائمًا»؟
وراء هذه الوقائع تتبدى حقيقة قاسية: الدولة التي هجّرت أهالي رفح التاريخية بحجة «الأمن القومي» لم تعتبر أن من واجبها توفير سكن آمن لائق على نفس القدر من الجدية، فخرج المشروع مشوهًا، يُعامل فيه المتضررون من الهدم كما لو كانوا «زبائن مضطرين» لا مواطنين لهم حق كامل على الدولة.
غش في مواد البناء وتشققات تهدد السلامة.. من يحاسب؟
شهادة المهندس المقيم في رفح الجديدة، الذي فضّل عدم ذكر اسمه خوفًا من الملاحقة، تفضح عمق الكارثة. ما يجري – كما يقول – لا يمكن اختزاله في سوء تشطيب أو «سهو» مقاول، بل مخالفات جسيمة في أسس البناء وأعمال التشطيب، ارتكبها بعض المقاولين والمهندسين المشرفين خلال التنفيذ، وسمحت بها منظومة رقابة مرتخية أو متواطئة. النتيجة: تشققات وتصدعات واضحة في عدد من المباني، بعضها قد يتحول خلال سنوات قليلة إلى خطر إنشائي حقيقي إن لم يُتدارك بسرعة وبجدية.
أخطر ما رُصد، بحسب المهندس نفسه، استخدام رمل أرضي عادي بدلًا من رمل البحر المخصص للبناء والتشطيب، في مخالفة صريحة للمواصفات الفنية المعتمدة. هذه «التوفيرات» على حساب الجودة تؤثر مباشرة في تماسك الخرسانة، وقوة التحمل، وجودة العزل، خاصة في بيئة مناخية قاسية مثل شمال سيناء، تتعرض لرياح شديدة وأمطار متقطعة لكن عنيفة.
هذا الغش ليس تفصيلًا تقنيًا؛ إنه جريمة مكتملة، لأن من يدفع ثمنه ليس ورقة في ملف، بل أسر كاملة تعيش في عمارات قد يتفاقم فيها الخلل إلى درجة التهديد المباشر للحياة.
أمام هذا الواقع، يطالب السكان بتشكيل لجنة هندسية مستقلة ومحايدة، لا تتبع نفس الجهات التي أشرفت على التنفيذ، لفحص جميع مباني رفح الجديدة، من الأساسات إلى الأسقف، وفتح تحقيق جدي وشفاف في مراحل التنفيذ والاستلام، ومحاسبة كل مقاول أو مهندس أو مسؤول تورط في أي تقصير أو فساد، مع إلزامهم بتحمل التكلفة الكاملة لإصلاح العيوب، بدلًا من تحميلها للمواطنين الذين لم يختاروا أصلًا مغادرة بيوتهم القديمة.
تهجير قسري بلا ضمانات.. وذرائع أمنية تغطي على الفشل والفساد
المفارقة الصارخة أن مشروع رفح الجديدة قُدّم إعلاميًا بوصفه «تعويضًا كريمًا» لسكان رفح التاريخية الذين هُدمت بيوتهم منذ 2014 بحجة إنشاء منطقة عازلة مع غزة. جرى الحديث عن أكثر من 250 عمارة سكنية، آلاف الوحدات، وخدمات متكاملة، تُباع للمتضررين بنظام تقسيط طويل الأجل، أي أن من فقد بيته قسرًا أُجبر في النهاية على شراء سكن جديد بأقساط لصالح الدولة، ثم اكتشف أن «السلعة» نفسها معيبة من الأساس.
رغم كل هذا، يأتي الرد الرسمي باردًا وفضفاضًا. مصدر مسؤول في محافظة شمال سيناء يبرر سوء التنفيذ بأن المدينة أُنشئت في «ظروف أمنية بالغة الصعوبة»، وأن تنظيم «داعش» كان يستهدف العاملين ويعرقل وصول المعدات ومواد البناء، وكأن الإرهاب يصبح ذريعة مقبولة لغضّ الطرف عن الغش والتلاعب والإهمال. يضيف المصدر أن الشكاوى قيد المراجعة، وأن الجهات الهندسية ستفحص أعمال الشركات المنفذة «دون أن يحدد أي جدول زمني» أو يطرح خطة واضحة لمعالجة ما ظهر بالفعل من كوارث إنشائية.
النتيجة أن أهالي رفح، الذين دفعوا ثمن «الأمن القومي» ببيوتهم وجذورهم وذاكرتهم، يكتشفون اليوم أنهم دفعوا أيضًا ثمن الفساد وسوء الإدارة، وأن المدينة التي رُسمت لهم على الورق كـ«حلم» ليست سوى مشروع إسكان رديء، تُعاد فيه إنتاج نفس المعادلة الظالمة: تهجير قسري بلا ضمانات حقيقية، وسكن جديد بلا أمان، وسلطة تبرر وتسوّف بدلًا من أن تتحمل المسؤولية السياسية والقانونية والإنسانية عن حياة مواطنيها.
في رفح الجديدة، لا يطالب الناس بترف أو رفاهية؛ كل ما يطلبونه أن يتوقفوا عن العيش فوق أرض مخدوعة وأسقف مخترقة بالمطر والخطر، وأن يعاملوا كمواطنين من الدرجة الأولى لا كعبء أمني يُنقل من مكان لآخر، ومن خراب لآخر.

