أظهرت واقعة القبض على سيد القرموطي، أحد أهالي جزيرة الوراق، ثم الإفراج عنه مساء الأربعاء، حجم التوتر المتصاعد بين سكان الجزيرة والأجهزة الأمنية، وسط اتهامات من ناشطين بأن ما جرى مرتبط برفضه بيع أرضه، وتأكيدات من الأهالي بأن ما حدث يعبّر عن مناخ حصار وضغوط ممتدة منذ سنوات، في إطار خطط رسمية لتحويل الجزيرة إلى مشروع استثماري كبير على حساب السكان الأصليين.

 

الإفراج عن سيد القرموطي وضغوط “التهدئة” الأمنية

 

تقارير محلية وحقوقية أفادت بأن الأجهزة الأمنية في الجيزة أفرجت عن سيد القرموطي بعد ساعات من مساء الأربعاء، عقب توقيفه الثلاثاء من حي وراق الحضر، على خلفية مشاركته النشطة في مظاهرة نظمها أهالي الجزيرة يوم الجمعة الماضي، احتجاجًا على استمرار القيود المفروضة على دخول مواد البناء، بينما تحدثت روايات من الأهالي عن أن القبض عليه جاء في سياق محاولات لإجباره على بيع أرضه، وفق ما يتداوله ناشطون معارضون.

 

مصدر من أعضاء مجلس عائلات جزيرة الوراق أوضح أن الوقفة الاحتجاجية جاءت ردًا على حصار مستمر يقيّد إدخال مواد البناء ويصعّب عمليات الترميم والتوسعة داخل الجزيرة، معتبرًا أن هذه القيود جزء من ضغوط متراكمة لدفع الناس إلى المغادرة، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي تغيير في ملكية الأراضي إلى إخراج الأهالي نهائيًا، وتحويل المنطقة إلى مشروع استثماري مغلق لا مكان فيه للسكان الحاليين.

 

ناشطون من الجزيرة قالوا إن الإفراج عن القرموطي جرى بعد لقاء بين عدد من الأهالي وقيادات بجهاز الأمن الوطني، تضمن – بحسب مصدر حضر الاجتماع – محاولة من ممثلي الجهاز لإقناع الأهالي بـ“التهدئة”، وتجنّب التصعيد في الشارع أو على مواقع التواصل، مقابل وعود ببحث بعض المطالب، لكن من دون مؤشرات واضحة على تغيير جذري في السياسات المتعلقة بالحظر على مواد البناء أو ملفات الموقوفين السابقين.

 

 

في تدوينة لاحتفالية بخروج سيد القرموطي بعنوان “سيد على الأسفلت يا بلد”، واعتبر أن الإفراج جاء نتيجة “صمود أهل جزيرة الوراق” ورفضهم للتهجير القسري، ووصف ما جرى بأنه “تلاحم شعبي أسطوري” أثبت – من وجهة نظره – أن إرادة الأهالي قادرة على كسر القيود، وأن الشارع حين يتحرك يمكنه فرض التراجع على ما وصفه بـ“النظام الغاشم” الذي اعتقل القرموطي بسبب تمسكه بأرضه ورفضه مغادرتها.

 

 

وأضاف الحساب في منشور آخر أن “الأرض عرض والحرية حق”، مؤكدًا أن قوة الشارع في جزيرة الوراق أظهرت أن الإرادة الشعبية هي “الضمانة الوحيدة لرد الحقوق لأصحابها”، وربط بين المعركة على أرض الجزيرة وبين شعارات أوسع عن الكرامة والحرية، مستخدمًا وسم
#يحيا_المصري_لتحيا_مصر
في محاولة لتوسيع دائرة التضامن إلى خارج نطاق سكان الجزيرة المباشر.

 

حصار متفاقم وخطط تطوير استثماري تزيد شعور الأهالي بالتهديد

 

حساب “صدى مصر” تساءل: “لحد إمتى هنسيب أهل جزيرة الوراق تحت الحصار؟”، مشيرًا إلى أن الأهالي قرروا عدم ترك بيوتهم وأراضيهم “للغريب”، وأن ما يتعرضون له – وفق تعبيره – سببه قولهم “لا لبيع أراضي الوطن”، في إشارة إلى رفضهم عروض التعويض والإخلاء التي طرحتها الجهات الرسمية خلال السنوات الماضية، واعتبر أن استمرار التضييق على الجزيرة رسالة ضغط جماعي ضد من يرفض الخروج.

 

 

جزيرة الوراق تشهد حالة متصاعدة من التوتر بعد انتشار مقاطع فيديو وتسجيلات تنتقد الحصار المفروض على الأهالي، وتوثّق شكاوى من منع إدخال مواد البناء وتقييد الحركة، وقد أثارت واقعة القبض على القرموطي غضبًا واسعًا بين السكان، الذين دعوا إلى التجمع والاحتجاج، للمطالبة بالإفراج عنه قبل حدوث ذلك بالفعل، ولوقف ما يعتبرونه تضييقًا مستمرًا عليهم وعلى أنشطتهم اليومية المرتبطة بالزراعة والصيد والعمل الحر داخل الجزيرة.

 

الأزمة الحالية تأتي ضمن سياق ممتد منذ نحو 10 سنوات، حين بدأت الحكومة تنفيذ خطط لتحويل الجزيرة إلى منطقة استثمارية وسياحية كبرى، مع عروض تعويض وإخلاء قالت السلطات إنها “عادلة”، بينما رأى كثير من الأهالي أنها لا تعكس القيمة الحقيقية للأرض ولا كلفة الانتقال، وتمسكوا بالبقاء في منازلهم، ما أدى إلى موجات متكررة من الاحتكاك بين السكان والجهات الرسمية، وتجدد المخاوف في كل مرحلة تنفيذية جديدة من أن يكون الهدف النهائي هو إخلاء الجزيرة بالكامل.

 

ومع انتقال إدارة بعض الجزر النيلية إلى جهات سيادية خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت المواجهات في الوراق، وشهدت فترات سابقة حملات إزالة لمبانٍ ووحدات سكنية، واشتباكات وتوقيفات متفرقة، بينما يؤكد سكان الجزيرة أن الإجراءات الأخيرة زادت من شعورهم بالضغط، خاصة مع استمرار الحديث عن “مخطط” لإخلاء الجزيرة وتسليمها خالية إلى مستثمرين، وهو ما يعمّق حالة الاحتقان ويجعل أي حادث فردي، مثل توقيف سيد القرموطي، شرارة لتوتر أكبر وأوسع.

 

مقاطع نشرها ناشطون أظهرت هتافات الأهالي عقب أنباء الإفراج عن القرموطي، حيث تعالت أصوات تردد “عاوزين حق سيد”، في ربط بين خروجه وبين مطالب أوسع بالعدالة ووقف ما يصفونه بالانتهاكات الأمنية والضغوط المعيشية. وقد وثّق حساب باسم شيماء مشاهد من الهتافات، في تأكيد على أن القضية لم تعد مقتصرة على مصير شخص واحد، بل ارتبطت لدى كثيرين بمصير الجزيرة وثمن التمسك بها.

 

 

 

تضامن إلكتروني ورسائل غاضبة ضد التهجير والضغط على الفقراء

 

حساب “رحمة” كتب أنه زار الوراق مؤخرًا، ووصف المنظر من فوق الكوبري بأنه “جميل جدًا”، متمنيًا أن يستمر الأهالي في الدفاع عن حقهم في الأرض ونيلها، وداعيًا بأن “يهلك الله الظالمين”، في إشارة إلى أن تضامنًا معنويًا يتشكل حتى من خارج الجزيرة، يرى في المشهد مزيجًا بين جمال الموقع الجغرافي وقسوة الضغوط الواقعة على السكان.

 

 

 

الناشط عز الدين ذهب إلى لهجة أشد حدة، معتبرًا أن “جزيرة الوراق وأهلها يستغيثون بالشعب”، وهاجم ما سماه “مذبحة رابعة ومذبحة النيل وحدود البحر المتوسط والغاز”، واتهم السلطة ببيع الشركات والأصول التي بناها الشعب “من قوت يومه”، متسائلًا عن مصدر “البلايين من الدولارات” في ظل خطاب رسمي عن الفقر والتقشف، ومستخدمًا تعبيرات غاضبة لوصف ما يراه تناقضًا بين ادعاء الفقر وبين مشروعات يعتبرها عمليات بيع واسعة لمقدرات البلد.

 

 

حساب آخر يحمل اسم the teacher02 كتب أن “رجالة جزيرة الوراق عاملين ما عليهم وزيادة لعدة سنوات”، وألقى باللوم على “الشعب المصري اللي شايف ظلم السيسي وعصابته وساكت”، محذرًا من أن من يظن أن جزيرة الوراق “بعيدة عنه” سيصل إليه الظلم عاجلًا أم آجلًا، حتى لو لم يشعر به بعد، عبر الغلاء والفقر والفساد، في ربط بين معركة محلية على أرض الجزيرة وأزمة أوسع في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

أما محمد حمادة، فكتب عبر فيسبوك أن من “باع ضميره عشان كرسي” ومن يظن أن الظلم يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية مخطئ، مؤكدًا أن ما يجري في الوراق ليس “تطويرًا” كما يُقدَّم رسميًا، بل “تهجير وظلم” أمام العلن، وأن بيوتًا هُدمت وناسًا تشردت، وأن الأهالي الذين عاشوا على الأرض منذ سنوات طويلة وجدوا أنفسهم مطاردين وممنوعين من رزقهم، ليتحوّل الفرح إلى دموع، والبيوت إلى خرائب.


https://www.facebook.com/photo/?fbid=122105710617085949&set=a.122093316705085949

 

حمادة تساءل عن معنى “العدل” إذا كان الأمن يُختزل في طرد الفقراء من بيوتهم، وعن معنى “الوطن” إذا كان يقبل كسر قلوب من عمّروا المكان بأيديهم، معتبرًا أن ما جرى في الوراق كشف “وجوهًا كثيرة”، في إشارة إلى مواقف رسمية وسياسية وإعلامية، بينما يستمر الأهالي في التمسك بأرضهم وانتظار ما ستؤول إليه جولات التجاذب المقبلة بين مخططات الاستثمار وضغوط الأمن من جهة، وصمود سكان الجزيرة من جهة أخرى.