تتصاعد حدة التوتر في الأسواق المصرية مع دخول اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك، بعد موجات متتالية من غلاء أسعار السلع الغذائية الأساسية، حيث ترصد التقارير الميدانية حالة ارتباك واضحة في حركة البيع والشراء، وسط اتهامات مباشرة بغياب رقابة تموينية فعالة على التجار، وبالرغم من إعلان وزارة التموين عن خطة استراتيجية شاملة بالتنسيق مع المديريات على مستوى الجمهورية لتوفير احتياجات المواطنين، إلا أن الواقع العملي يكشف فجوة كبيرة بين الوعود الحكومية وبين ما يراه المستهلكون على أرفف المحال من زيادات متلاحقة، في وقت تستهدف فيه الخطة المعلنة تحقيق توازن سعري مفقود ومواجهة غلاء أسعار السلع الغذائية الذي بات يؤرق الأسر المصرية بشكل يومي.
خطط التموين على الورق وصدمة الأسعار في ثالث أيام رمضان
تتوسع وزارة التموين في طرح كميات كبيرة من كراتين وشنط رمضان داخل المجمعات الاستهلاكية، وتؤكد أن الأسعار المطروحة «مخفضة» لضمان الوفرة وتحقيق نوع من التوازن في السوق، غير أن مؤشرات الميدان تؤكد استمرار انفلات الأسعار في المنافذ الخاصة والسلاسل التجارية الكبرى عند مستويات تفوق قدرات المواطنين المادية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث لا تكفي المعارض المؤقتة ولا المنافذ الثابتة لتغطية الطلب الفعلي خلال موسم معروف تقليديًا بارتفاع الاستهلاك.
في الوقت نفسه، تواجه المنافذ الحكومية انتقادات حادة بسبب محدودية الكميات المعروضة من السلع الاستراتيجية التي تنفد غالبًا في الساعات الأولى من الصباح، ما يفتح الباب أمام توحش التجار في الأسواق الخارجية الذين يرفعون الأسعار دون رادع واضح، وتظهر أزمة غلاء أسعار السلع الغذائية بوضوح في الارتفاع القياسي لأسعار اللحوم والدواجن هذا الموسم، حيث تتحول قوائم الأسعار اليومية إلى عبء نفسي قبل أن تكون عبئًا ماليًا على الأسر متوسطة الدخل والشرائح الأفقر.
على الجانب الرسمي، يؤكد الدكتور علاء عز، مستشار رئيس اتحاد الغرف التجارية، أن قراءة أسعار السلع في مواسم رمضان 2024 و2025 وقبيل رمضان 2026 تشير – من وجهة نظره – إلى انخفاض نسبي في متوسطات الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة، مستشهدًا باتساع شبكات معارض «أهلاً رمضان» ووصولها إلى آلاف المنافذ بين ثابت ومتحرك، وطرحه لفكرة أن التخفيضات تتراوح بين 15 و20% عن أسعار السوق. لكن شهادات المواطنين حول سرعة نفاد السلع الأرخص واستمرار موجات الغلاء في السلاسل والأسواق الخاصة تكشف أن أثر هذه التخفيضات محدود على سلة المشتريات الفعلية في مطابخ المصريين.
تباين أسعار اللحوم والدواجن والسلع الأساسية يكشف فشل السيطرة على السوق
تسجل أسعار الدواجن في المجمعات الاستهلاكية نحو 110 جنيهات للكيلو الواحد، بينما تقفز في الأسواق الخارجية لتصل إلى 130 جنيهًا، وهو تباين يعكس حجم الخلل في منظومة التوزيع والرقابة الرسمية على محلات الطيور، خاصة في المناطق التي لا تغطيها المنافذ الحكومية بشكل كاف، حيث يظل المستهلك رهينة لسعر «الفرارجي» دون وجود سقف واضح لهوامش الربح أو آليات ضبط سريعة وشفافة لأسعار البيع.
وفي قطاع اللحوم، يبلغ السعر داخل المنافذ الحكومية حوالي 320 جنيهًا للكيلو مقابل 440 جنيهًا لدى الجزارين في الخارج، وهي أرقام تبرهن على تفاقم ظاهرة غلاء أسعار السلع الغذائية التي شملت أيضًا اللحوم السوداني والمجمدة، مع بدء سعر الدواجن المجمدة من 100 جنيه ووصوله في الأسواق الحرة إلى 125 جنيهًا، بما يؤكد وجود تلاعب كبير في تسعير المنتجات الضرورية على مائدة الصائمين، ويثير أسئلة حول جدوى البيانات الرسمية التي تتحدث عن «انضباط نسبي» في السوق مقابل واقع مختلف على الأرض.
ولا يقتصر الغلاء على البروتين فقط، إذ تتراوح أسعار الأرز في المجمعات الاستهلاكية والأسواق بين 30 و33 جنيهًا للكيلو حسب الجودة، بينما سجلت المكرونة عبوة 400 جرام أسعارًا بين 11 و15 جنيهًا وفقًا للعلامة التجارية، وتتصدر أزمة السكر المشهد بأسعار تتأرجح بين 29 و35 جنيهًا للكيلو الواحد، وسط نقص ملحوظ في بعض المناطق البعيدة عن مراكز التوزيع الرئيسية، في حين تؤكد البيانات الميدانية أن موجة غلاء أسعار السلع الغذائية طالت أيضًا زيت عباد الشمس عبوة 800 مل، التي ارتفعت إلى 65 جنيهًا، بما يعكس حالة تضخم تضرب السلع التموينية الأساسية التي لا غنى عنها في المطبخ المصري خلال شهر يعتمد فيه كثيرون على وجبتين رئيسيتين تحتاجان إلى مكونات ثابتة.
ويقول حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضراوات بغرفة القاهرة التجارية، في سياق شرحه لارتفاعات سابقة في أسعار الخضر والسلع الغذائية، إن جزءًا من موجات الغلاء يرتبط بسلوك بعض التجار الذين يلجؤون إلى تخزين كميات كبيرة من السلع مع اقتراب المواسم، ما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى رغم تراجع القوة الشرائية، محذرًا من أن استمرار هذا النمط دون رقابة فعالة يعني أن أي موسم – ومنها رمضان – يتحول تلقائيًا إلى فرصة لتعظيم أرباح غير مبررة على حساب المستهلك النهائي.
تخزين موسمي وغياب رقابة يفاقمان الغلاء ويدعوان إلى أدوات ضبط أكثر صرامة
تتسبب زيادة الطلب الموسمي وتكالب المواطنين على شراء كميات ضخمة بغرض التخزين في إحداث ارتباك شديد داخل قنوات التوزيع الرسمية والخاصة، حيث تعجز الشركات وتجار الجملة عن ملاحقة الاحتياجات المتزايدة، ما يدفع كثيرين منهم إلى رفع الأسعار بشكل مفاجئ لتعويض نقص المعروض، ويظهر غلاء أسعار السلع الغذائية جليًا في السلاسل التجارية الكبرى التي تقدم عروضًا تقترب أحيانًا من أسعار المنافذ الحكومية، لكنها تفتقر إلى الثبات السعري المطلوب لمواجهة جشع التجار الصغار، وتظل الحاجة ماسة لزيادة عدد المنافذ المتنقلة والثابتة لتقليل المسافات التي يقطعها المواطنون بحثًا عن السعر الأقل في أحياء مزدحمة وقرى بعيدة.
تؤكد التقارير أن غياب موظفي التموين عن القيام بدورهم الرقابي الميداني ساهم في تحول الأسواق إلى ساحة مفتوحة لفرض أسعار عشوائية، حيث يعاني قطاع الألبان والجبن من ارتفاعات غير مبررة تتزامن مع دخول الشهر الكريم دون وجود ضوابط ملزمة للمصنعين أو الموزعين، وتعتبر أزمة غلاء أسعار السلع الغذائية نتاجًا طبيعيًا لضعف الرقابة على الأسواق التي تشهد توحشًا في الأسعار يومًا بعد يوم، في ظل شعور عام بأن المخالفات لا تواجه بردع كافٍ، وأن ثقافة «العرض والطلب» تُستخدم غطاء لتجاوزات واضحة في التسعير.
من جانبه، يوضح رجب شحاتة، رئيس شعبة الأرز بغرفة صناعة الحبوب، أن زيادات أسعار الأرز في مواسم سابقة لم تكن دائمًا نتيجة ارتفاع تكلفة الاستيراد أو نقص المحصول فقط، بل ارتبطت أيضًا بزيادات وضعها بعض التجار مع اقتراب شهر رمضان لتعظيم هامش الربح، داعيًا إلى تفعيل دور الأجهزة الرقابية وسن آليات لتتبع حلقات التداول من المضارب حتى منافذ البيع للتأكد من أن السعر النهائي يعكس التكلفة الحقيقية لا رغبة الوسطاء في «تعطيش السوق».
وفي المقابل، تتمسك الدوائر الاقتصادية المطالِبة بضبط السوق بضرورة فرض تسعيرة جبرية أو استرشادية ملزمة لجميع التجار على السلع الاستراتيجية خلال المواسم الحساسة، مع إعلان واضح لهوامش الربح المسموح بها، لضمان عدم استغلال حاجة المواطنين للسلع الرمضانية الأساسية ولوازم الشهر المعظم، خاصة في ظل استمرار معدلات تضخم غذائي مرتفعة نسبيًا وفق البيانات الرسمية، وتضرر القوة الشرائية لشرائح واسعة، ما يجعل أي زيادة جديدة في أسعار الطعام تهديدًا مباشرًا لقدرة الأسر على تنظيم مائدة إفطار وسحور كريمة طوال الشهر.

