أدان الأردن رسميًا تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى تل أبيب مايك هاكابي، التي تحدث فيها عن قبول سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله، بالإضافة إلى الضفة الغربية المحتلة، واصفًا تلك التصريحات بأنها عبثية واستفزازية، وتمثل انتهاكًا للأعراف الدبلوماسية ومساسًا بسيادة دول المنطقة، ومخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في رسالة واضحة بأن عمّان تنظر إلى هذا الخطاب ليس كزلة لسان فردية، بل كمؤشر خطر على نزعة توسعية تريد تحويل الاحتلال إلى مشروع هيمنة إقليمية معلن.
بيان أردني حاد.. وسيادة المنطقة ليست موضوعًا لـ“رأي شخصي”
وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية أكدت في بيانها أن التصريحات المنسوبة للسفير الأمريكي تتناقض مع المواقف المعلنة للإدارة الأمريكية نفسها، مشيرة إلى أنها تخالف أيضًا ما يُنسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رفض رسمي لضم الضفة الغربية المحتلة، في محاولة من عمّان لتجريد التصريح من أي غطاء سياسي أمريكي، ووضعه في خانة التجاوز على الخطاب الرسمي المعلن.
وشدد البيان على أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، “أراضٍ فلسطينية محتلة وفقًا للقانون الدولي”، مع إعادة التمسك الأردني بحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو موقف ترى عمّان أن تصريحات هاكابي تضربه في أساسه، لأنها تتحدث عمليًا عن قبول سيطرة إسرائيلية على الإقليم بدل إنهاء الاحتلال.
الصحفي والكاتب الأردني-الفلسطيني داود كُتّاب يشير في تحليلاته السابقة إلى أن الأردن، الذي يستضيف أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين ويتشارك أطول حدود مع الأراضي المحتلة، ينظر إلى أي حديث عن ضم أو سيطرة إسرائيلية موسّعة كتهديد مباشر لأمنه الوطني وترتيبات معاهدة السلام، لا كجدل نظري في السياسة الخارجية، مؤكدًا أن عمّان باتت أكثر حذرًا من أي مشاريع أمريكية تُقرأ كغطاء لتحولات أحادية على الأرض.
ضم “مُطبَّع” في الخطاب.. وخبراء يحذّرون من تكريس خرق القانون الدولي
تصريحات هاكابي، التي أدلى بها خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون ونشرت منصته “شبكة تاكر كارلسون” مقتطفات منها الجمعة، تحدث فيها عن أنه “لا يرى بأسًا” في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما يتجاوز حتى خطاب ضم الضفة الغربية إلى تصور أوسع لهيمنة إسرائيلية إقليمية، وهو ما تعتبره عمّان انزلاقًا من الدفاع عن حليف إلى الترويج لمشروع توسعي يناقض النظام الدولي نفسه.
من زاوية قانونية، كان المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الكندي مايكل لينك، قد أكد في بيان أممي أن ضم أراضٍ محتلة “انتهاك صارخ للقانون الدولي”، مشيرًا إلى أن ميثاق الأمم المتحدة يحظر صراحة الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأن أي محاولة لشرعنة الضم تمثل تقويضًا لأساس النظام متعدد الأطراف.
ويحذر محللون قانونيون من أن تصريحات دبلوماسي رفيع المستوى، حتى لو لم تتحول إلى قرار رسمي، يمكن أن تُستخدم في الخطاب الإسرائيلي الداخلي لتطبيع فكرة الضم الكامل، وتقديمها كخيار مقبول لدى جزء من المؤسسة الأمريكية، في وقت تواصل فيه إسرائيل توسيع سيطرتها على الضفة الغربية عمليًا عبر الاستيطان والتشريعات، الأمر الذي اعتبرته محافل أممية وقضائية، منها محكمة العدل الدولية، انتهاكًا مستمرًا للقانون الدولي ومبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة.
الباحث السياسي الفلسطيني-الهولندي مُعين ربّاني يربط في تحليلاته بين خطاب الضم في عهد ترامب وبين نزعة متنامية داخل اليمين الإسرائيلي ترى في السيطرة الدائمة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد من الفلسطينيين هدفًا استراتيجيًا، معتبرًا أن أي غطاء أمريكي، حتى لو جاء في شكل تصريحات من سفير أو سياسي بارز، يرسل إشارة خاطئة بأن كلفة خرق القانون الدولي ستبقى محدودة، ما يشجع على مزيد من التوسع بدل الالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
حل الدولتين تحت الضغط.. والأردن يحاول رسم “خط أحمر” سياسي
التأكيد الأردني المتكرر على أن الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أراضٍ محتلة، وعلى التمسك بحل الدولتين على حدود 1967، يأتي في سياق إقليمي يشهد انهيارًا متسارعًا لما تبقّى من مقومات هذا الحل، في ظل توسع الاستيطان، واستمرار الاحتلال العسكري، وتصاعد الحديث في أوساط إسرائيلية عن سيناريوهات “ضم جزئي أو كامل”، بينما تحذر دول عربية وأطراف دولية من أن أي ضم رسمي جديد سيقوّض ما تبقى من فرص التسوية ويشعل توترات أوسع.
يتوافق هذا القلق مع ما يطرحه مؤرخون وخبراء في الصراع، من بينهم المؤرخ الفلسطيني رشيد خالدي، الذي كتب مرارًا أن سياسات التوسع الاستيطاني والضم “صُمّمت منذ عقود لجعل تطبيق حل الدولتين في أي صيغة ذات معنى أمرًا شبه مستحيل”، مع تحميله المسؤولية أيضًا للدعم الأمريكي السياسي والعسكري، الذي يسمح لإسرائيل بـ“فعل ما تشاء تقريبًا” رغم الإجماع الدولي الظاهري على إنهاء الاحتلال.
في هذا الإطار، تدرك عمّان أن تصريحات من نوع ما صدر عن هاكابي تتجاوز كونها رأيًا فرديًا، لأنها تأتي في لحظة إقليمية متوترة حول مستقبل الضفة الغربية، ومع تحذيرات متكررة من خطوات أحادية جديدة قد تدفع نحو انفجار سياسي وأمني يتجاوز الحدود الفلسطينية-الإسرائيلية ليطال دول الجوار، وفي مقدمتها الأردن الذي يشكّل عمقًا جغرافيًا وديمغرافيًا أساسيًا للقضية الفلسطينية.
وبينما تؤكد المملكة في بيانها تمسكها بحل الدولتين، فإن نبرة الإدانة الحادة تشير إلى محاولة رسم “خط أحمر” سياسي وأخلاقي في وجه خطاب دبلوماسي أمريكي يذهب أبعد من كل ما طُرح رسميًا حتى الآن، عبر القبول العلني بفكرة سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله، في تناقض مباشر مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ومع ما تبقى من أسس عملية سلام قامت أساسًا على إنهاء الاحتلال لا تتويجه بضم شامل للمنطقة.

