في الوقت الذي تتسابق فيه الأندية لاكتشاف المواهب وصناعة النجوم، تتوارى خلف المشهد أزمة خطيرة تتعلق بضعف المنظومة الطبية داخل المؤسسات الرياضية، خصوصًا في أندية الأقاليم، حيث يواجه المئات من الناشئين خطر التعرض لمضاعفات صحية جسيمة قد تصل إلى حد الوفاة المفاجئة، نتيجة غياب الفحوصات الشاملة والرقابة الطبية المنتظمة.
مأساة ناشئ تكشف عمق الأزمة
قصة اللاعب أحمد متولي، الذي التحق بقطاع الناشئين في نادي بني عبيد الرياضي في سن التاسعة، تكشف جانبًا مؤلمًا من الواقع، فخلال سنوات من التدريبات المكثفة والسعي وراء حلم الاحتراف، لم يخضع اللاعب لفحص طبي شامل يحدد مدى جاهزيته البدنية أو يكشف عن مشكلات صحية كامنة، ومع مرور الوقت، تدهورت حالته الصحية قبل أن يُكتشف إصابته بأنيميا حادة كادت تنهي مسيرته مبكرًا.
الحالة ليست استثناءً، بل نموذجًا متكررًا داخل قطاعات الناشئين، حيث تكتفي بعض الإدارات بالاختبارات الفنية والبدنية الأولية، متجاهلة ضرورة إجراء تحاليل الدم، وفحوصات القلب، واختبارات الإجهاد التي تُعد أساسًا لحماية اللاعبين من المخاطر المفاجئة.
فحوصات شكلية ومخاطر حقيقية
مسؤولون داخل أندية الأقاليم يعترفون بأن الفحص الطبي غالبًا ما يكون شكليًا بسبب ارتفاع تكلفة الإجراءات الشاملة، التي قد تصل إلى 8 أو 9 آلاف جنيه للاعب الواحد.
ويشمل ذلك تخطيط القلب المتقدم الذي يكشف العيوب الخلقية أو اضطرابات كهرباء القلب، وهي أسباب رئيسية لحالات السقوط المفاجئ في الملاعب.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الفحص الأولي، بل تمتد إلى ضعف الجاهزية أثناء المباريات والتدريبات، إذ تضطر بعض الأندية إلى نقل المصابين بسيارات عادية بدلًا من سيارات إسعاف مجهزة، بسبب كلفة استئجارها التي قد تبلغ 1200 جنيه يوميًا، ما يضاعف احتمالات تفاقم الإصابات أو فقدان الدقائق الحاسمة في حالات الطوارئ.
وفيات صادمة دقّت ناقوس الخطر
العام الماضي شهد الوسط الرياضي صدمات متتالية بعد رحيل أسماء بارزة نتيجة أزمات صحية مفاجئة، من بينهم أحمد رفعت لاعب مودرن فيوتشر الذي تعرض لتوقف عضلة القلب، وشذى محمد بطلة السباحة في نادي طنطا، التي فارقت الحياة رغم محاولات إنقاذها.
أرقام مقلقة.. والأنيميا في صدارة المخاطر
بحسب بيانات رسمية لعام 2025، تبلغ نسبة الإصابة بالأنيميا بين المصريين نحو 40%، وهي نسبة مرتفعة تمثل خطرًا مباشرًا على الرياضيين، خاصة في ظل الأحمال البدنية المرتفعة وسوء التغذية، فالجهد العنيف مع نقص الحديد أو ضعف التغذية قد يؤدي إلى هبوط حاد في الدورة الدموية، وضعف عضلة القلب، بل ومضاعفات بالكلى.
ويؤكد مختصون أن غياب أطباء التغذية عن الغالبية الساحقة من الأندية يفاقم الأزمة، إذ يعتمد اللاعبون على وجبات عشوائية ومشروبات غازية تؤثر سلبًا على قدرتهم البدنية وتزيد معدلات الإصابة.
كوادر غير مؤهلة وثغرات قانونية
رغم صدور قرارات تنظيمية عام 2025 تلزم الأندية بتقديم سجل طبي لكل لاعب، فإن التطبيق الفعلي لا يزال محدودًا، في ظل ضعف المتابعة الميدانية. وتشير تقديرات إلى أن نسبة كبيرة من الأجهزة الطبية داخل الأندية يقتصر دورها على الإسعافات الأولية، دون وجود برامج تقييم دوري أو خطط وقائية.
الأخطر من ذلك، وجود عناصر غير متخصصة داخل بعض القطاعات الطبية، في ظل تدني الرواتب التي لا تتجاوز في بعض الحالات 9 آلاف جنيه لرئيس قطاع طبي للناشئين، ما يدفع الكفاءات إلى العزوف، ويترك المسؤولية في أيدي إداريين يوقعون كشوفات طبية دون إشراف حقيقي.

