عاد الجدل حول قانون الإيجار القديم إلى الواجهة بقوة مع تصاعد الطعون القضائية المقدمة ضد بعض مواده، في وقت يتمسك فيه آلاف المستأجرين باللجوء إلى القضاء لوقف تنفيذ بنود يرون أنها تهدد استقرارهم السكني. القانون الجديد، الذي أقره البرلمان تحت رقم 164 لسنة 2025، فتح مواجهة اجتماعية وقانونية واسعة بين الحكومة والمستأجرين، خاصة مع وجود نحو 1.6 مليون أسرة تعيش في وحدات خاضعة لهذا النظام منذ عقود طويلة.

 

الحكومة تؤكد أن القانون لن يتم إلغاؤه وأنه يهدف إلى “تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر”، لكن منتقديه يرون أنه يمهد لإنهاء عقود سكنية تاريخية قديمة ويدفع ملايين المواطنين نحو أزمة سكن حقيقية في ظل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات في السوق الحر.

 

يقول أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة الدكتور خالد زهران إن أي تغيير في نظام الإيجارات يجب أن يراعي التوازن الاجتماعي. ويضيف أن الانتقال المفاجئ من نظام قديم استمر عشرات السنين إلى نظام جديد دون شبكة حماية اجتماعية كافية قد يؤدي إلى توترات اجتماعية حقيقية.

 

الحكومة تتمسك بالقانون رغم الغضب

 

أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة لا تعتزم إلغاء قانون الإيجار القديم، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل في المقابل على توفير بدائل سكنية للفئات التي قد تتأثر بتطبيقه. وأوضح أن الحكومة فتحت باب تسجيل المستأجرين للحصول على سكن بديل.

 

لكن الأرقام التي أعلنتها الحكومة أثارت تساؤلات جديدة. فوفق تصريحات رسمية لم يتجاوز عدد المسجلين للحصول على سكن بديل 70 ألف مواطن فقط، رغم تمديد مهلة التسجيل لمدة 3 أشهر إضافية. هذا الرقم يبدو ضئيلاً مقارنة بعدد الأسر الخاضعة لنظام الإيجار القديم.

 

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور هاني توفيق أن المشكلة لا تتعلق فقط بتعديل العلاقة بين المالك والمستأجر، بل بقدرة الدولة على توفير بدائل حقيقية. ويضيف أن سوق العقارات في مصر شهد ارتفاعات كبيرة في الأسعار خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل الانتقال إلى سكن جديد تحديًا صعبًا لذوي الدخل المحدود.

 

ويؤكد توفيق أن أي خطة لإعادة تنظيم الإيجارات يجب أن تترافق مع برامج إسكان اجتماعي واسعة النطاق حتى لا تتحول القضية إلى أزمة اجتماعية.

 

قانون جديد يرفع الإيجارات وينهي العقود

 

ينص القانون رقم 164 لسنة 2025 على إنهاء عقود الإيجار القديم بعد فترة انتقالية تبلغ 7 سنوات للوحدات السكنية و5 سنوات للوحدات غير السكنية، ما لم يتفق الطرفان على إنهاء العلاقة التعاقدية قبل ذلك.

 

كما يتضمن القانون تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتصنيف المناطق إلى 3 فئات: مناطق متميزة، مناطق متوسطة، ومناطق اقتصادية. وبناءً على هذا التصنيف ترتفع القيمة الإيجارية تدريجيًا.

 

وفق نص القانون، تصل الزيادة إلى 20 ضعف القيمة الحالية في المناطق المتميزة بحد أدنى 1000 جنيه شهريًا، بينما تصل إلى 10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحد أدنى يتراوح بين 250 و400 جنيه.

 

وتقول الحكومة إن الهدف هو تحقيق توازن بين حقوق الملاك والمستأجرين بعد عقود طويلة من تثبيت الإيجارات. لكن منتقدين يرون أن هذه الزيادات الكبيرة قد تكون صعبة التحمل بالنسبة لعدد كبير من الأسر.

 

الخبير القانوني الدكتور شوقي السيد، أستاذ القانون الدستوري، يقول إن المشكلة الأساسية تكمن في طريقة تطبيق القانون وليس في مبدأ تعديل الإيجارات نفسه. ويضيف أن أي تشريع يمس حق السكن يجب أن يراعي البعد الاجتماعي وألا يؤدي إلى تهجير قسري لشرائح واسعة من المجتمع.

 

طعون دستورية ومعركة قضائية مفتوحة

 

في مواجهة القانون، تقدّم عدد من المحامين والمستأجرين بطعون أمام المحكمة الدستورية العليا للطعن في بعض مواده. وكانت المحكمة قد تلقت في نوفمبر الماضي أول دعوى دستورية تطعن بشكل مباشر في بنود من القانون.

 

الطعون تركز بشكل خاص على طريقة تحديد القيمة الإيجارية وآليات تشكيل لجان الحصر. ويقول مستأجرون إن بعض الإجراءات المرتبطة بتطبيق القانون شابتها أخطاء إجرائية، خصوصًا فيما يتعلق بالإعلان عن تشكيل اللجان وتحديد الإيجارات الجديدة.

 

على الأرض، تعكس قصص المستأجرين حجم القلق المتصاعد. أحمد إسماعيل، أحد سكان حي الزيتون في القاهرة، يقول إن والدته تعيش في الشقة منذ أكثر من 30 عامًا وتعتمد على معاش محدود، ما يجعل الانتقال إلى سكن جديد شبه مستحيل بالنسبة لها.

 

هذه الحالات ليست استثناءً. آلاف الأسر، خصوصًا من كبار السن وأصحاب المعاشات، يرون أن القانون قد يضعهم أمام خيارين صعبين: دفع إيجارات مرتفعة لا يستطيعون تحملها، أو البحث عن سكن جديد في سوق عقاري أصبحت أسعاره بعيدة عن متناول الطبقة المتوسطة.

 

تحركات برلمانية تحت ضغط الشارع

 

في ظل تصاعد الجدل، بدأت تحركات داخل مجلس النواب لإعادة النظر في بعض مواد القانون. وقالت النائبة سناء السعيد إنها تعمل على جمع توقيعات من النواب لإجراء تعديلات تشريعية.

 

أبرز هذه التعديلات المقترحة تتعلق بإلغاء المادة الثانية التي أثارت جدلاً واسعًا في المجتمع. وترى السعيد أن التعديلات يجب أن تستند إلى أحكام سابقة للمحكمة الدستورية تحدثت عن ضرورة تحرير القيمة الإيجارية دون المساس بحقوق السكن.

 

لكن حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على تعديل القانون بشكل جذري. وبين موقف حكومي متمسك بالتطبيق الكامل، وغضب اجتماعي متصاعد، تبدو معركة الإيجار القديم مرشحة للاستمرار داخل البرلمان والمحاكم وربما في الشارع أيضًا.

 

وفي بلد يعيش فيه أكثر من 1.6 مليون أسرة تحت مظلة هذا النظام، فإن أي قرار بشأن الإيجار القديم لن يكون مجرد تعديل قانوني عادي. بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية ومتطلبات السوق العقارية.