فجّرت أزمة الصيد في بورسعيد صورة واضحة لفشل حكومي يتكرر بالصيغة نفسها. قرارات تصدر من أعلى. مناطق تُغلق. مساحات تُسلَّم للاستثمار. ثم يُترك الصياد وحده يواجه كلفة المعيشة، وتراجع الرزق، وعقوبات المخالفة. النتيجة لم تعد خلافًا إداريًا عابرًا. نحن أمام ضغط مباشر على مهنة تاريخية مرتبطة بهوية المدينة واقتصادها المحلي، وعلى آلاف الأسر التي تعيش منها يومًا بيوم. وفي نهاية المشهد، جاء طلب الإحاطة الذي تقدّم به النائب حسن عمار ليضع الملف تحت قبة البرلمان، بعد أن سبقته الأزمة إلى بيوت الصيادين وأسواق المحافظة.
مهنة قديمة تُدفع خارج مياهها
مهنة الصيد في بورسعيد ليست نشاطًا هامشيًا يمكن تعويضه بقرار على الورق. هي جزء من تاريخ المدينة، ومن تركيبها الاجتماعي، ومن دورة رزق يومية ارتبطت لعقود بالبحر والبحيرات والقناة. لكن ما جرى خلال الفترة الأخيرة كشف أن الحكومة تتعامل مع الصيادين كعبء يجب تضييقه، لا كفئة منتجة تستحق الحماية، رغم الخطاب الرسمي المتكرر عن دعم الفئات الأكثر احتياجًا والحفاظ على المهن التراثية.
المشكلة لم تبدأ من ارتفاع الأسعار وحده. الأزمة انفجرت مع تضييق مساحات الصيد المتاحة فعليًا. الحظر الكامل للصيد في منطقة شرق تفريعة قناة السويس ضرب واحدة من المساحات التي اعتمد عليها كثير من الصيادين كمصدر رئيسي للعمل. ومع الحظر جاءت عقوبات مشددة على المخالفين، فصار الصياد محاصرًا بين باب مغلق في الماء، ومحضر أو غرامة إذا حاول البحث عن لقمة عيشه في مكان كان يعمل فيه بالأمس.
ويرى الدكتور إبراهيم إبراهيم الهواري، عميد كلية علوم الثروة السمكية والمصايد بجامعة كفر الشيخ، أن أي إدارة رشيدة للمصايد لا يمكن أن تنجح إذا اعتمدت على المنع المجرد من البدائل، لأن حماية المخزون السمكي تحتاج تنظيمًا علميًا وتدرجًا واضحًا، لا قرارات تصنع صدمة اجتماعية في مجتمعات الصيد. والهواري يشغل موقعًا أكاديميًا متخصصًا في ملف الثروة السمكية، وهو ما يجعل هذا المنظور أقرب إلى منطق الإدارة العلمية من منطق الغلق الإداري السهل.
التأجير والاستبعاد: الاستثمار ضد أصحاب المهنة
الأزمة لم تتوقف عند منطقة واحدة. حظر الصيد الحر في مناطق حيوية مثل قعر البحر والجميل والخندق بعد تأجيرها لمستثمرين كشف جوهر المشكلة. الدولة لم تتحرك هنا كوسيط يوازن بين الاستثمار وحق العمل. تحركت كطرف يرجّح كفة رأس المال على حساب أصحاب المهنة. النتيجة أن الصياد الذي ورث الشبكة والمركب والخبرة وجد نفسه مستبعدًا من بحيرات ومناطق كانت تمثل شريانًا طبيعيًا للرزق.
إغلاق الحاجز الشرقي القديم والجديد بقناة السويس عمّق الاختناق أكثر. هذه المناطق كانت تمثل متنفسًا اقتصاديًا مهمًا لعدد كبير من الصيادين. وعندما أُغلقت، لم تُطرح خطة انتقال عادلة، ولا آلية تعويض مؤقت، ولا حتى تصور معلن لكيفية حماية الأسر التي ستفقد دخلها فورًا. هكذا تُنقل كلفة القرار بالكامل إلى الحلقة الأضعف، بينما تحتفظ السلطة بحقها في اتخاذ القرار من دون مساءلة اجتماعية حقيقية.
من الناحية الاقتصادية، يلفت الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعي، إلى أن أي تضييق على المصايد الطبيعية من دون بدائل تشغيل أو دعم انتقالي ينعكس فورًا على دخل الأسر وأسعار السوق المحلي وسلاسل الإمداد المرتبطة بالأسماك. هذا التقدير مهم لأن قطاع الثروة السمكية ليس ملفًا بيئيًا فقط، بل جزء من الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي، كما أن قانون 146 لسنة 2021 أنشأ جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية وحدد له اختصاصات تشمل حماية وتنمية الثروة السمكية وتطوير حرفة الصيد، لا خنقها إداريًا.
بين الصيد الجائر وغياب العدالة
السلطة تملك دائمًا حجة جاهزة. تقول إنها تحمي المخزون السمكي. لا خلاف على أن الصيد الجائر خطر حقيقي، وأن استدامة الثروة السمكية مسألة أساسية. لكن الخلل يبدأ عندما تتحول هذه الحجة إلى مظلة لقرارات واسعة لا تفرّق بين من يخرّب المورد ومن يعيش منه وفق قواعد عادلة. عندها يصبح شعار الحماية مجرد غطاء لإدارة منحازة، تعاقب الجميع بدل أن تلاحق الممارسات المدمرة فعليًا.
هنا يبرز رأي الدكتور راضي علي محمد، وكيل كلية علوم الثروة السمكية والمصايد لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة بجامعة كفر الشيخ، الذي يدفع في اتجاه إدارة تشاركية للمصايد تربط بين العلم والمجتمع المحلي. هذا المنظور يعني أن حماية البحيرات لا تُبنى فقط بالمنع، بل بوضع خرائط استخدام عادلة، ومواسم واضحة، ورقابة على الصيد الجائر، وإشراك الصيادين أنفسهم في التنظيم بدل معاملتهم كخصم دائم. الرجل يشغل موقعًا أكاديميًا معنيًا مباشرة بخدمة المجتمع والبيئة، وهو ما يضفي على هذا الطرح وزنًا عمليًا واضحًا.
ما يحدث الآن في بورسعيد يهدد بتداعيات اجتماعية واقتصادية تتجاوز المراكب والشباك. حين تتراجع دخول آلاف الأسر التي تعتمد كليًا على الصيد، فإن المحافظة كلها تدفع الثمن. الاستهلاك يهبط. الديون ترتفع. المهن المرتبطة بالسوق السمكي تتضرر. ويصبح الحديث عن “تنظيم القطاع” مجرد تعبير رسمي بارد يخفي تحت سطحه إفقارًا منظمًا لفئة كاملة.
المطلوب لم يعد تجميل الأزمة بالتصريحات. المطلوب كشف الأساس القانوني الكامل لقرارات الحظر وتأجير مناطق الصيد، ومحاسبة الجهة التي سمحت بحدوث هذا الاختلال بين حماية المورد وحقوق العاملين فيه. كما أن أي حديث جدي يجب أن يشمل برامج تعويض للمتضررين، وبدائل رزق واضحة، ومراجعة قرارات الإغلاق والمنع التي سحبت من الصيادين آخر المساحات الممكنة. وفي هذا السياق جاء طلب الإحاطة المقدم من النائب حسن عمار كخطوة متأخرة لكنها ضرورية، ليس لأنه صنع الأزمة، بل لأنه نقلها أخيرًا من همس المراكب إلى مساءلة علنية يفترض ألا تتوقف قبل إنصاف الصيادين.

