كشفت الوقائع المتتالية التي ظهرت خلال الساعات الأخيرة حجم التدهور الذي يضرب المجال الاجتماعي والأمني في مصر، بعدما تصدرت مواقع التواصل مشاهد لتعاطي مخدرات علني، ومشاجرات نسائية بسبب الميراث، واشتباكات بالأسلحة البيضاء بسبب الجيرة ولهو الأطفال، ثم جريمة قتل لربة منزل على يد زوجها في المنيا.
هذا التتابع السريع لا يمكن عزله عن مناخ عام يتسع فيه العنف اليومي، بينما تكتفي وزارة الداخلية عادة بالتحرك بعد انتشار الفيديو، لا قبل وقوع الجريمة أو الانفلات. والنتيجة أن الدولة تبدو حاضرة في بيانات الضبط، وغائبة في منع التدهور من الأصل. وفي نهاية هذه السلسلة، لم يعد السؤال كيف ضبطت الشرطة المتهمين، بل لماذا صار المواطن يرى كل هذا الانهيار أولًا على هاتفه قبل أن تراه الدولة في الشارع.
من فيديو التعاطي إلى مشاجرات الميراث.. الشارع ينفلت والداخلية تطارد الأثر
الواقعة الأولى جاءت من الجيزة، حيث ظهر 3 أشخاص في مقطع فيديو متداول تبدو عليهم علامات عدم الاتزان نتيجة تعاطي المواد المخدرة، قبل أن تعلن الأجهزة الأمنية ضبطهم والعثور مع أحدهم على كمية من مخدر البودر، واعترافهم بالتعاطي. هذا النمط لم يعد استثنائيًا. الخطير فيه ليس فقط وجود المخدر، بل وصول حالة التعاطي نفسها إلى درجة الظهور العلني المصور، بما يعكس شعورًا متزايدًا بانخفاض الردع، أو على الأقل غياب الخوف من الوقوع تحت عين الدولة قبل انتشار المقطع. وبحسب قانون مكافحة المخدرات المصري، فإن التعاطي مجرم ويعاقب عليه بالحبس والغرامة، لكن النص القانوني وحده لم يمنع مشهدًا كهذا من الوصول إلى العلن.
المشهد الثاني في البحيرة لم يكن أقل دلالة. مشاجرة بين 3 سيدات ومزارع وشقيقه بسبب قطعة أرض ميراث، تحولت إلى اعتداء متبادل بالسب والضرب، من دون بلاغ سابق، إلى أن انتشر المقطع وبدأت الأجهزة الأمنية الفحص. هنا يتكرر النمط نفسه: واقعة تقع، وتتصاعد، وتُصور، وتُتداول، ثم تبدأ الدولة في الحضور. هذا لا يعني التقليل من أهمية الضبط اللاحق، لكنه يكشف حدود المقاربة الأمنية التقليدية التي تتعامل مع النتائج لا الأسباب، ومع الفيديو لا مع المناخ الذي ينتج الفيديو. العنف هنا لم يعد فقط جنائيًا منظمًا، بل صار جزءًا من إدارة الخلافات اليومية داخل المجتمع.
الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، ربطت انتشار العنف المجتمعي والعنف الأسري بالأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية، معتبرة أن تآكل الاستقرار الاجتماعي ينعكس مباشرة على سلوك الأفراد داخل الأسرة والشارع. هذا التوصيف يساعد على فهم ما وراء مشاجرات الميراث والجيرة: نحن لا نرى فقط خلافات فردية، بل مجتمعًا يزداد توتره مع تراجع القدرة على الاحتمال، ودولة تفضل إرجاع كل شيء إلى “حوادث فردية” بدل الاعتراف بتآكل أعمق في المجال الاجتماعي.
خلافات الجيرة ولهو الأطفال.. عنف يومي صار أقرب إلى القاعدة
في القاهرة، تكرر المشهد بصورة أكثر فجاجة، بعدما رُصد مقطع فيديو لمشاجرة في حدائق القبة بين 4 أشخاص، استخدمت فيها أسلحة بيضاء، بسبب خلافات حول الجيرة ولهو الأطفال أمام منزل الطرف الثاني. الواقعة، بحسب الفحص الأمني، لم تسفر عن إصابات، لكن مجرد انتقال خلاف يومي بسيط إلى اشتباك بالسلاح الأبيض يكشف مستوى مقلقًا من الاستعداد الفوري للعنف. هذا النوع من الوقائع لم يعد مجرد شجار عابر في حي شعبي، بل علامة على أن اللغة الأولى في حسم النزاع عند قطاع من الناس لم تعد القانون ولا الوساطة، بل السلاح واليد.
الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، قال إن تصاعد العنف في الجرائم داخل المجتمع المصري يرتبط بتغيرات حادة في الشخصية والسلوك، وإن إدمان المخدرات أحد العوامل التي تدفع إلى جرائم أكثر قسوة واندفاعًا. وفي تصريحات أخرى حذر فرويز من أثر المواد المخدرة المستحدثة على المخ والسلوك، موضحًا أنها تغيّر التحكم والانفعالات وقد تدفع إلى السلوك العدواني. وضع هذا الرأي بجانب مشهد الجيزة ومشاجرات القاهرة والبحيرة يجعل الصورة أكثر وضوحًا: الدولة لا تواجه فقط مخالفات منفصلة، بل دائرة متداخلة من تعاطٍ، توتر نفسي، وضغط اجتماعي يترجم نفسه سريعًا إلى عنف.
والمفارقة أن الداخلية تُصر على تقديم كل واقعة على حدة، كأنها ملف منفصل لا يجمعه شيء بغيره. لكن تتابع المشاهد في يوم واحد تقريبًا يقول العكس. ففي الجيزة تعاطٍ علني. في البحيرة خلاف ميراث يتحول إلى ضرب متبادل. في القاهرة شجار جيرة ولهو أطفال يصل إلى السلاح الأبيض. هذه ليست مجرد مصادفات. إنها ملامح شريحة من الواقع المصري تحت ضغط اجتماعي ونفسي وأمني، بينما تتصرف الحكومة كأن المطلوب فقط بيان جديد عن “تم اتخاذ الإجراءات القانونية”.
والأخطر أن هذا النمط يخلق شعورًا عامًا بانكشاف المجال العام. المواطن يرى أن أبسط الخلافات يمكن أن تنفجر فجأة، وأن الردع الحقيقي غائب حتى يقع الانفجار. هنا تصبح مسؤولية السلطة السياسية واضحة، لا لأن الحكومة مسؤولة عن كل مشاجرة فردية مباشرة، بل لأنها مسؤولة عن مناخ أوسع يتآكل فيه الأمان الاجتماعي، بينما لا تنتج مؤسساتها غير الرد اللاحق.
جريمة المنيا تكشف أن الانهيار وصل إلى داخل البيت
الوجه الأكثر قسوة في هذه السلسلة جاء من المنيا، حيث أعلنت الأجهزة الأمنية كشف ملابسات مقتل ربة منزل على يد زوجها في مركز بني مزار، وضبط المتهم والأداة المستخدمة، بعد خلافات أسرية. هذه الجريمة لا يمكن قراءتها كامتداد فقط لعنف الشارع، بل كإشارة إلى أن العنف صار يضرب المجال الأسري نفسه، وهو أخطر لأنه يحدث داخل الدائرة التي يفترض أن تكون الأكثر أمانًا.
وفي ورشة نظمتها دار الإفتاء والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في 17 يونيو 2025، قال مفتي الجمهورية نظير عياد إن العنف الأسري لم يعد نقاشًا نظريًا أو نخبويًا، بل صار “ناقوس خطر” في ظل التحولات الاجتماعية والتربوية الخطيرة. حتى إذا جاء هذا التوصيف من زاوية دينية واجتماعية، فإنه يلتقي مع ما كشفته جريمة المنيا: البيت نفسه لم يعد محصنًا، والعنف لم يعد حادثًا هامشيًا بل صار جزءًا من أزمة أوسع تضرب تماسك الأسرة المصرية.
ومن الزاوية القانونية، قال المستشار محمد سليمان جاد، المحامي بالنقض والخبير القانوني، إن القوانين وحدها لا تكفي لمواجهة العنف الأسري، لأن الظاهرة في جوهرها أزمة اجتماعية وأخلاقية متفاقمة. هذا الكلام لا يبرئ الدولة، بل يدينها أكثر. فإذا كانت القوانين وحدها لا تكفي، فأين السياسات الوقائية؟ أين شبكات الدعم الاجتماعي؟ أين تدخلات الصحة النفسية؟ أين الرقابة على تمدد المخدرات؟ السلطة التي تستهلك خطاب الأمن إلى الحد الأقصى تبدو عاجزة عن إنتاج أمن اجتماعي حقيقي، وتكتفي بملاحقة ما بعد الكارثة.
الخلاصة أن ما جرى في الجيزة والبحيرة والقاهرة والمنيا ليس مجرد يوم مزدحم في نشرات الحوادث. إنه مؤشر على خلل أعمق: حكومة تتحدث كثيرًا عن الاستقرار، وداخلية تتباهى بسرعة الضبط، بينما الشارع والبيت معًا يقدمان رواية أخرى عن دولة تتدخل بعد الفضيحة، لا قبل الانفجار. التعاطي يُصور. المشاجرات تُبث. السلاح يُشهر في نزاعات تافهة. والقتل الأسري يخرج من البيوت إلى المحاضر. هذه ليست قوة دولة. هذا عجز سلطة تحكم بالقبضة، لكنها تفشل في منع المجتمع من الانزلاق.

