كشفت أزمة عودة المصريين من الخليج خلال الأسبوع الأول من الحرب الإقليمية حجم التراجع الذي أصاب فكرة الحماية القنصلية نفسها، بعدما تُرك آلاف العاملين والأسر في مواجهة أسعار طيران قفزت بقوة، بينما اكتفت الحكومة بخطاب المتابعة والجاهزية من دون إعلان خطة إجلاء واضحة أو دعم مالي مباشر أو حتى سقف سعري استثنائي يحمي المواطنين من الاستغلال.
ومع إغلاق أجواء وتعطل رحلات وإعادة تشغيل محدودة، بدا المصري في الخليج مطالبًا بأن يتحمل وحده كلفة الحرب والقلق ورمضان والعيد، في وقت كانت فيه حكومات أخرى تتحرك بالفعل لإعادة مواطنيها أو لتقاسم المخاطر مع شركات الطيران. وفي نهاية المشهد، ظهرت مساءلات برلمانية متأخرة من سحر البزار وعاطف مغاوري، لكنها لا تغيّر أن الأزمة كُشفت أولًا على حساب المواطنين لا على مكاتب المسؤولين.
الحكومة تراقب.. والمواطن يدفع
البيان المصري الرسمي الأوضح صدر في 28 فبراير 2026، وقال إن وزارة الخارجية “تتابع عن كثب” أوضاع المصريين في الدول المتأثرة، وإن البعثات رُفعت درجة جاهزيتها وتلقت تعليمات بتقديم المساعدة القنصلية عند الحاجة، مع الدعوة إلى الحذر والتواصل مع السفارات والقنصليات. هذا الكلام قد يصلح في أزمة محدودة، لكنه يصبح هزيلًا حين تتعطل الرحلات ويقفز الطلب على العودة وتصبح تكلفة السفر نفسها عائقًا أمام النجاة أو لمّ شمل الأسر. فالمتابعة ليست سياسة، والجاهزية الورقية ليست بديلًا من طائرات إجلاء أو دعم مباشر أو قرار سياسي بحماية المصريين من السوق في لحظة اضطراب.
وزارة الطيران من جانبها أعلنت في 28 فبراير رفع درجة الاستعداد، وكشفت أن 47 رحلة من أصل 116 رحلة متجهة إلى الخليج أُلغيت في يوم واحد، بينما تم تشغيل 69 رحلة فقط. وبعد ذلك بأيام قالت مصر للطيران إنها بدأت إضافة رحلات تدريجيًا إلى دبي والدمام اعتبارًا من 6 مارس، لكنها في الوقت نفسه أقرت بأن المقاعد المطروحة للبيع الجديد لا تتجاوز 5% من السعة، وبررت التسعير بارتفاع التأمين وكلفة التشغيل في مناطق المخاطر، مع الإشارة إلى أن الأولوية لحاملي الحجوزات المؤكدة الملغاة سابقًا. هذه الصياغة تكشف جوهر الأزمة: الدولة تعرف أن المعروض محدود وأن السوق مضطربة، لكنها لم تستخدم هذا العلم لتقديم حل عادل، بل تركت المسألة لآلية “السعر السوقي” في أكثر لحظة لا تحتمل السوق أصلًا.
هنا يصبح النقد الموجه إلى السفارات مبررًا. فالمشكلة ليست فقط أن القنصليات لم تُعلن حتى الآن ترتيبات إجلاء منظم، بل أن خطابها ظل أقرب إلى إرشادات عامة: تابعوا التعليمات، تواصلوا معنا، انتظروا التطورات. المواطن الذي يحتاج للعودة مع أطفال أو كبار سن لا يشتري تذكرة بهذه اللغة. هو يحتاج تدخلًا فعليًا، وقنوات حجز مدعومة، ونقاط تجميع، ومعلومات لحظية، ومساندة قانونية ولوجستية. ما حدث يكشف أن السفارة المصرية في الأزمات ما زالت تفكر كجهة متابعة، لا كجهة حماية.
دول تُجلي مواطنيها.. والقاهرة تكتفي بتبرير الأسعار
المقارنة هنا جارحة للحكومة المصرية. وكالة أسوشيتد برس نقلت أن حكومات عدة سارعت لتنظيم رحلات إجلاء أو استعادة مواطنيها مع اتساع الفوضى الجوية في الخليج. ألمانيا قالت إنها تخطط لإرسال طائرات إلى عمان والسعودية لإجلاء المرضى والأطفال والحوامل، بينما أعلنت التشيك إرسال طائرات إلى مصر والأردن وعمان لإعادة مواطنيها من إسرائيل والمنطقة المحيطة. كما أوردت الوكالة أن شركة “إل عال” الإسرائيلية تستعد لعملية “استعادة” كبرى للمسافرين العالقين، وأن العملاء لن يُحمَّلوا تكلفة المقاعد على هذه الرحلات. هذا هو الفارق الحقيقي: حكومات تعتبر المواطن عبئًا يجب احتواؤه، وأخرى تعتبره مسؤولية يجب حملها.
الخبير الأمريكي هنري هارتفيلدت، رئيس شركة Atmosphere Research Group، قال لأسوشيتد برس إن رحلات الإجلاء عادة تُشغَّل بدعم حكومي، وإن الدول قد تتحمل جزءًا من المخاطر المالية المترتبة على تشغيلها. أهمية هذا الرأي أنه ينسف الحجة المصرية الضمنية بأن ارتفاع الكلفة يبرر ترك المواطن للسوق. نعم، الحرب رفعت التأمين والمخاطر. لكن وظيفة الدولة في الأزمات أن تمتص هذه الكلفة أو توزعها، لا أن تلقيها كاملة على الراكب. وإذا كانت حكومات أخرى تدعم الناقلات أو تنظم الإجلاء مباشرة، فإن امتناع القاهرة عن ذلك ليس حتمية فنية، بل قرار سياسي ومالي.
بل إن مصر للطيران نفسها قالت إنها “الذراع الوطنية للدولة وقت الأزمات”، لكنها عادت فربطت المقاعد الجديدة بأسعار السوق لدى شركات مصرية ودولية أخرى. هنا يظهر التناقض كاملًا: هل الناقل الوطني ذراع حماية للمواطن أم مجرد شركة تبيع في ذروة الذعر وفق تسعير الأزمة؟ الدولة تريد الاحتفاظ بالرمزية الوطنية حين تخاطب الجمهور، لكنها تتصرف بمنطق الشركة التجارية حين يحين وقت الفاتورة. وهذا تحديدًا ما يجعل غضب المصريين في الخليج مفهومًا، لأنهم لم يطلبوا امتيازًا استثنائيًا، بل الحد الأدنى الذي تقدمه دول كثيرة لمواطنيها في أوقات الاضطراب.
الأزمة أعمق من تذكرة.. إنها صورة دولة مأزومة
ما جرى في ملف التذاكر لا ينفصل عن السياق الاقتصادي الأوسع. الخبير الاقتصادي ديفيد لوبين كتب في مارس 2024 أن التحسن المؤقت في النظرة إلى الاقتصاد المصري كان يعود بدرجة كبيرة إلى الحظ والظرف الجيوسياسي، لا إلى مهارة إصلاحية مستقرة. وبعد عامين تقريبًا، تظهر الأزمة الحالية كيف ينعكس هذا الضعف على أبسط حقوق المواطن خارج الحدود: دولة مثقلة بالضغوط النقدية والمالية تصبح أقل استعدادًا لتحمل كلفة إجلاء أو دعم واسع، فتختبئ خلف السوق وشركات التأمين والظروف الإقليمية. هذا لا يعفيها، بل يدينها أكثر، لأن المواطن هو من يدفع في النهاية ثمن هذا الضعف البنيوي.
ويأتي رأي تيموثي كالداس من معهد التحرير أكثر مباشرة في فهم جذور المشكلة، إذ ينشغل عمله البحثي بالاقتصاد السياسي المصري واستراتيجيات بقاء النظام والدولة. وفي ضوء هذا الإطار، تبدو استجابة القاهرة منسجمة مع نمط أوسع: إدارة الأزمات بأقل كلفة على السلطة، ولو بأعلى كلفة على الناس. فلا توجد مؤشرات على استعداد الدولة لتحمّل نفقات حماية مواطنيها في الخارج طالما يمكن تمرير العبء إلى الأفراد، ثم الاكتفاء بخطاب رسمي عن المتابعة والحرص والسلامة. وهذا هو جوهر الفشل هنا: ليس مجرد غلاء تذاكر، بل تحويل المواطن إلى ممول أخير لعجز الدولة عن أداء دورها.
وأخيرا فإن أزمة عودة المصريين من الخليج لم تكشف جشع السوق فقط، بل كشفت أيضًا حدود الدولة المصرية نفسها. السفارات راقبت. وزارة الطيران بررت. مصر للطيران تحدثت عن 5% مقاعد جديدة وأسعار سوقية ومخاطر تأمين. بينما حكومات أخرى كانت تنظم الإجلاء أو تتحمل جزءًا من الكلفة. وبين هذه الصورة وتلك، وجد المصري نفسه وحيدًا أمام فاتورة الحرب. وفي نهاية النص، يمكن إعادة ذكر سحر البزار وعاطف مغاوري فقط كإشارة إلى أن البرلمان التقط الأزمة متأخرًا، بعد أن كان المواطن قد دفع الثمن بالفعل.

