قفزت أسعار النفط بقوة مع اتساع الحرب في الشرق الأوسط، فتجاوز خام غرب تكساس الوسيط حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ 2022، قبل أن يواصل الصعود إلى مستويات أعلى خلال تعاملات الإثنين 9 مارس 2026، بينما ارتفع برنت بدوره فوق 100 دولار وسط اضطراب واسع في الإمدادات وحركة الشحن عبر مضيق هرمز.

هذه القفزة لم تعد مجرد حركة مضاربة عابرة، بل صارت ترجمة مباشرة لخوف الأسواق من نقص فعلي في الخام، بعد أن امتدت الحرب إلى منشآت الطاقة وحركة الناقلات.

وفي اللحظة نفسها، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب التهوين من الارتفاع، واعتبره “ثمنًا زهيدًا” مقابل ما سماه إزالة التهديد النووي الإيراني، في تصريح يكشف أن البيت الأبيض مستعد لتحميل العالم والمستهلك الأميركي كلفة الحرب ما دام يعتبرها جزءًا من معركته السياسية والعسكرية.

 

قفزة الأسعار لم تأت من فراغ

 

الأسعار تحركت أولًا فوق عتبة 100 دولار، ثم تسارعت أكثر مع بداية الأسبوع.

أسوشيتد برس ذكرت أن الخام الأميركي تجاوز 100 دولار للمرة الأولى منذ 2022، ثم صعد لاحقًا فوق 114 دولارًا مع اشتداد الحرب، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن خام غرب تكساس لامس نحو 111 دولارًا قبل أن يتراجع قليلًا، بينما قفز برنت أيضًا إلى ما فوق 107 دولارًا ثم واصل الارتفاع لاحقًا.

المعنى هنا أن السوق لم تكن تتعامل مع خبر واحد، بل مع سلسلة تطورات متراكمة: ضربات على منشآت نفطية، تعطل شحن، وخوف من اتساع رقعة الحرب إلى دول منتجة وممرات بحرية حيوية.

 

السبب الأكبر وراء هذه القفزة هو مضيق هرمز.

وفق أسوشيتد برس وجولدمان ساكس، يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، أو ما يقارب 15 إلى 20 مليون برميل.

ومع توقف أو تباطؤ حركة الناقلات بفعل التهديدات والهجمات والتأمين، بدأت السوق تتصرف على أساس أن جزءًا معتبرًا من الإمدادات بات فعليًا خارج التداول، حتى لو كان التعطل مؤقتًا. وعندما يتعرض هذا الشريان تحديدًا للشلل، فإن الأسعار ترتفع ليس فقط بسبب النقص الحالي، بل بسبب الخوف من أن يتحول التعطل القصير إلى أزمة أطول.

 

هنا يبرز تقييم دان سترويفن، الرئيس المشارك لأبحاث السلع العالمية في جولدمان ساكس، الذي قال إن السوق أضافت بالفعل علاوة مخاطر تقارب 14 دولارًا للبرميل مقارنة بما قبل الحرب، وإن أسعار النفط يمكن أن ترتفع أكثر إذا بدأ المتعاملون في تسعير خطر تعطل الإمدادات لفترة أطول.

هذه القراءة مهمة لأنها تنقل القصة من مجرد حدث سياسي إلى معادلة سوق واضحة: كل يوم إضافي من الحرب يضيف دولارات جديدة إلى البرميل.

 

ترامب يقلل من أثر الصدمة.. لكن السوق لا تصدقه

 

في خضم هذه القفزة، رد ترامب عبر حسابه قائلًا إن ارتفاع أسعار النفط على المدى القصير “ثمن زهيد للغاية” مقابل أمن الولايات المتحدة والعالم، وإن الأسعار ستنخفض سريعًا بعد زوال “التهديد النووي الإيراني”.

سياسيًا، تبدو هذه الرسالة محاولة لاحتواء الغضب الداخلي قبل أن يصل إلى محطات الوقود وميزانيات الأسر الأميركية.

لكن اقتصاديًا، هي تبدو أقرب إلى رهان غير مضمون، لأن السوق لا تتحرك بناء على الأمنيات السياسية، بل على الإمدادات الفعلية والمخاطر القائمة.

 

هذا التناقض التقطه كلايتون سيجل، الزميل البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، عندما قال إن “فترة السماح” التي منحتها السوق لإدارة ترامب انتهت، وإن عجزًا بنحو 20 مليون برميل يوميًا يضرب توازن السوق من دون أي إشارة إلى انفراج قريب.

وأضاف أن مطالبة ترامب بـ”استسلام غير مشروط” تجعل الرهان على هبوط سريع للأسعار أقل إقناعًا، لأن الصراع نفسه يبدو مفتوحًا على مزيد من التصعيد لا على تسوية سريعة.

هذه النقطة تضرب جوهر رواية البيت الأبيض: السوق لا ترى نهاية قريبة للحرب، ولذلك لا تتصرف كما لو أن الأزمة عابرة.

 

ولم تعد آثار الصدمة محصورة في شاشات التداول.

فأسوشيتد برس نقلت أن سعر البنزين العادي في الولايات المتحدة ارتفع إلى 3.45 دولار للجالون، بزيادة تقارب 47 سنتًا خلال أسبوع واحد، بينما صعد الديزل إلى نحو 4.60 دولار بزيادة أسبوعية بلغت 83 سنتًا.

كما هبطت مؤشرات أسهم آسيوية وأميركية مع بدء التعاملات الجديدة، في إشارة إلى أن النفط لم يعد ملف طاقة فقط، بل صار تهديدًا مباشرًا للتضخم والنمو والإنفاق الاستهلاكي.

 

الخطر الحقيقي: استمرار الحرب لا مجرد الصعود الحالي

 

المشكلة الأساسية ليست أن النفط اخترق 100 دولار، بل أن السوق تخشى ما بعد ذلك.

تقارير وود ماكنزي حذرت منذ الأيام الأولى من أن استمرار توقف المرور في هرمز يمكن أن يدفع الأسعار إلى ما فوق 100 دولار بسهولة، بينما ذهب تقدير أحدث نقلته صحف بريطانية إلى أن استمرار الحرب وتعطل الصادرات الخليجية قد يدفع النفط إلى 150 دولارًا.

هذه ليست سيناريوهات دعائية، بل تقديرات مبنية على فكرة بسيطة: إذا طال الشلل، فلن تكون هناك بدائل كافية لتعويض الكميات المعرضة للخطر.

 

وفي هذا السياق، قال آلان جيلدر، نائب رئيس أسواق النفط والتكرير والكيماويات في وود ماكنزي، إن السؤال الحاسم لم يعد هل سترتفع الأسعار، بل متى ستستأنف الناقلات تدفقات التصدير.

وأوضح أن تكاليف التأمين والشحن ستزيد، لكن هذه الزيادة تظل أقل بكثير من أثر انقطاع الإمدادات نفسها إذا استمر لعدة أيام أو أسابيع.

معنى ذلك أن الأزمة الحالية ليست أزمة رسوم أو مضاربات فقط، بل أزمة تدفق فعلي للخام، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه سوق الطاقة العالمية.

 

الخلاصة أن تجاوز النفط حاجز 100 دولار لا يبدو حادثًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لحرب قررت واشنطن المضي فيها بينما تقلل من كلفتها العلنية.

السوق تقول شيئًا مختلفًا عن ترامب: الخطر حقيقي، والبراميل المفقودة أو المعطلة ليست مجرد تهويل، وأي رهان على هبوط سريع للأسعار يحتاج أولًا إلى نهاية واضحة للحرب.

وحتى يحدث ذلك، يبقى العالم أمام معادلة قاسية: كل صاروخ جديد في الشرق الأوسط قد يظهر بعده سعر جديد أعلى على شاشات النفط ومحطات الوقود وفواتير المستهلكين.