كشفَت موجة الارتفاع الأخيرة في أسعار الخضراوات عجز الحكومة عن ضبط سوق يفترض أنه من أكثر الأسواق اتصالًا بحياة الناس اليومية. الرواية الرسمية وشبه الرسمية جاهزة: صقيع، تغير عروات، وفجوة موسمية بين الشتاء والصيف.
لكن هذه الرواية لا تفسر وحدها لماذا يقفز سعر الطماطم في التجزئة إلى 20 – 25 جنيهًا، والباذنجان إلى 30 – 40 جنيهًا، والفلفل إلى 30 – 35 جنيهًا، بينما كانت أسعار الجملة قبل أيام أقل بكثير في سوق العبور. ما يحدث ليس مجرد أزمة طقس. ما يحدث أيضًا أزمة إدارة، ورقابة، وحلقات تداول تترك للمستهلك السعر الأعلى دائمًا.
حاتم نجيب، نائب رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة باتحاد الغرف التجارية، قال إن موجة الصقيع الأخيرة خفضت الإنتاجية وأتلفت كميات من محاصيل مثل الباذنجان والطماطم والبصل والملوخية، وإن تحسن الحرارة في الأيام المقبلة قد يساعد على عودة الإنتاج تدريجيًا.
لكن نجيب نفسه قال قبل أسابيع إن سعر الطماطم لا يزيد عن 15 جنيهًا للكيلو، وإن الخضراوات الصيفية ستبدأ في الظهور خلال مارس، بما يدعم الاستقرار. هذه المفارقة وحدها تفتح سؤالًا مشروعًا: إذا كان السوق يعرف أن الانفراجة قريبة، فلماذا تُترك الأسعار لتقفز بهذه الحدة الآن؟
الصقيع أصاب المحاصيل.. لكن الحكومة تختبئ خلف الطقس
لا يمكن إنكار أثر الصقيع على بعض الزراعات. الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، تحدث في يناير عن أن موجات الصقيع وانخفاض الحرارة تؤثر على عدد من المحاصيل الزراعية، وأن التغيرات المناخية باتت تحديًا مباشرًا للإنتاج. كما أشارت تقارير زراعية رسمية وشبه رسمية إلى أن التغيرات المناخية، بين برد شديد وحرارة مرتفعة، أصبحت تضغط على القطاع الزراعي في مصر وتحتاج إلى برامج مواجهة علمية حقيقية. هذا يعني أن السبب المناخي قائم فعلًا، لكنه ليس مفاجأة نزلت من السماء بلا إنذار.
هنا تظهر مسؤولية الحكومة لا براءتها. لأن الصقيع لم يأتِ لأول مرة، والحديث عن التغيرات المناخية لم يبدأ هذا الأسبوع. إذا كانت الدولة تعرف أن المحاصيل الحساسة مثل الطماطم والباذنجان والبصل تتأثر بشدة بموجات البرد، فأين خطط الحماية؟ وأين الإرشاد الزراعي الفعّال؟ وأين شبكات الإنذار المبكر والدعم للمزارعين حتى لا يتحول أي تغير مناخي إلى قفزة فورية في أسعار الغذاء؟ الاكتفاء بترديد أن “الطقس سبب الأزمة” ليس تفسيرًا بقدر ما هو اعتراف بأن الدولة تركت المزارع والسوق يواجهان الخطر وحدهما.
الأخطر أن الحكومة تستفيد سياسيًا من هذا التفسير المريح. لأن تحميل الصقيع المسؤولية الكاملة يعفيها من مواجهة سؤال أكثر إزعاجًا: لماذا لا تنتقل آثار الانخفاض النسبي في الجملة إلى المستهلك بالسرعة نفسها، بينما تنتقل آثار أي نقص أو تلف إليه فورًا وبأقصى صورة؟ الأسعار المنشورة في سوق العبور خلال أوائل مارس أظهرت أن الطماطم كانت تدور بين 16 و20 جنيهًا في بعض تحديثات التجزئة، وأقل من ذلك في بعض أسعار الجملة، بينما كانت أصناف من الباذنجان أقل بكثير من مستويات البيع النهائي التي يشكو منها المستهلكون. هذا الفارق لا يصنعه الصقيع وحده. يصنعه أيضًا غياب الرقابة على حلقات التداول.
بين سوق العبور وبائع التجزئة.. من يلتهم فرق السعر؟
السوق المصرية للخضروات ليست سوقًا حرة بالمعنى النظيف للكلمة، ولا سوقًا منظمة بالمعنى الإداري. هي خليط من الوسطاء وتكاليف النقل والتخزين وهوامش ربح غير منضبطة، ثم يأتي في النهاية خطاب رسمي يقول للمواطن: اصبروا حتى دخول العروة الجديدة. هذا الخطاب لا يجيب عن السؤال الأساسي: من يراقب الطريق بين الجملة والتجزئة؟ ولماذا يصبح المستهلك الحلقة الأضعف كل مرة؟
حاتم نجيب نفسه يقول إن السوق يمر بمرحلة انتقالية بين نهاية الشتاء واقتراب الصيف، وإن الانفراجة قد تبدأ خلال شهر مع دخول الإنتاج الجديد، خصوصًا الطماطم التي تحتاج بين 20 يومًا وشهر حتى يبدأ التراجع الفعلي للأسعار. هذا الكلام قد يكون صحيحًا زراعيًا، لكنه يتحول سياسيًا إلى مبرر لترك السوق بلا ضابط خلال الفترة الانتقالية. الحكومة تعرف أن الفجوات الموسمية تتكرر كل عام تقريبًا. فلماذا لا توجد آلية واضحة لتقليل أثرها على المستهلك بدل الاكتفاء بانتظار “الانفراجة”؟
الخبير الزراعي حسين أبو صدام كان قد حذر قبل رمضان من ارتفاع متوقع في أسعار الطماطم مع انتهاء الزراعات الشتوية وتراجع المعروض، وتوقع أن يصل السعر إلى حدود 20 جنيهًا. تحققت التوقعات تقريبًا، وهو ما يثبت أن الأزمة كانت قابلة للرصد مبكرًا، لا أنها صدمة مباغتة. وهذه نقطة تدين الحكومة أكثر مما تبررها. لأن السوق حين يكون قابلًا للتنبؤ نسبيًا ثم لا تُتخذ إجراءات استباقية لتخفيف الصدمة، يصبح التقصير في الإدارة جزءًا من الأزمة نفسها.
الانفراجة قد تأتي.. لكن الفشل قائم الآن
لا خلاف على أن ارتفاع الحرارة ودخول المحاصيل الصيفية قد يدفعان الأسعار إلى التراجع خلال أبريل. هذا ما يقوله نجيب، وما تدعمه اتجاهات سابقة في السوق. لكن المشكلة أن الحكومة تريد دائمًا الاحتماء بما قد يحدث لاحقًا حتى لا تُحاسب على ما يحدث الآن. المواطن الذي يشتري طماطم بـ 25 جنيهًا أو باذنجانًا بـ 40 جنيهًا لا يعيش في تقرير زراعي عن العروة الجديدة. هو يعيش في سوق يدفع فيه السعر الأعلى فورًا، من دون حماية حقيقية من التلاعب أو التسعير المبالغ فيه.
ثم إن السوق نفسها لا تتحرك في اتجاه واحد. هناك تقارير خلال فبراير ومطلع مارس تحدثت عن تراجع في بعض الأصناف وانخفاضات وصلت في بعض الحالات إلى 25% في المنافذ أو أكثر في أصناف أخرى. هذا التذبذب يؤكد أن المسألة ليست ندرة شاملة تضرب كل شيء، بل سوق غير منضبط ترتفع فيه بعض السلع بقوة بينما تتراجع أخرى. وفي مثل هذه البيئة، لا يصبح دور الحكومة هو التفرج على العرض والطلب، بل التدخل لضبط التسعير ومنع استغلال الأزمات المناخية والموسمية كذريعة مفتوحة.
الخلاصة أن الحكومة تبرر انفلات أسعار الخضراوات بالصقيع وبالفجوة الموسمية وبقواعد العرض والطلب. لكن هذه التبريرات لا تصمد وحدها أمام فجوة واضحة بين الجملة والتجزئة، وأمام تحذيرات مبكرة من خبراء ومزارعين، وأمام اعتراف رسمي متكرر بخطر التغيرات المناخية من دون سياسات حماية كافية. قد تنخفض الأسعار بعد أسابيع، نعم. لكن هذا لا يمحو الحقيقة الأهم: السوق تُرك مرة أخرى حتى ينفجر أولًا، ثم تبدأ السلطة في شرح أسبابه بعد وقوعه.

