كشفَ الحديث المتصاعد عن زيادة متوقعة في أسعار العقارات خلال مارس وما بعده أن الحكومة لا تدير السوق العقارية بقدر ما تتركها تتحرك تحت ضغط الدولار والطاقة ومواد البناء، ثم تكتفي بمراقبة النتائج. القطاع يدخل 2026 أصلًا وسط تضخم مرتفع وضغط واضح على تكلفة مواد البناء والطاقة، مع طلب حقيقي قائم لكن أكثر حذرًا من السابق، بحسب تقديرات منشورة عن السوق العقارية المصرية. كما أن توقف تدفقات الغاز الإسرائيلي إلى مصر مع الحرب الإقليمية أضاف عبئًا جديدًا على كلفة الطاقة والإنتاج، رغم تأكيدات رسمية بمحاولة احتواء الأثر.
المشكلة ليست فقط في أن الأسعار قد ترتفع 15% أو 20% كما يقول بعض أهل السوق، بل في أن هذا الارتفاع يأتي فوق سوق تعاني أصلًا من تباطؤ في المبيعات، واتساع فجوة بين القدرة الشرائية والتسعير، وتحول متزايد إلى البيع بالتقسيط الطويل أو التركيز على شريحة محدودة من المشترين القادرين. بهذا المعنى، لا تبدو السوق العقارية المصرية “ملاذًا آمنًا” للجميع، بل ملاذًا لمن يملك أصلًا القدرة على الدخول، بينما يُستبعد أغلب المشترين الفعليين تدريجيًا من السوق.
أسعار تصعد لأن الحكومة رفعت الكلفة قبل أن ترتفع السوق
الدكتور محمد مصطفى القاضي يربط الزيادات المتوقعة في أسعار العقارات بمجموعة من العوامل الواضحة: تراجع إمدادات الغاز، وارتفاع الدولار، وضغوط مواد البناء، والتوترات الجيوسياسية. هذا التفسير منطقي، لكنه في الوقت نفسه يضع المسؤولية أمام الحكومة مباشرة. لأن الدولة تعرف أن السوق العقارية شديدة الحساسية لأي تحرك في سعر الصرف والطاقة والمواد الخام، ومع ذلك لم تنجح في خلق بيئة مستقرة تسمح للمطور بالتسعير الهادئ ولا للمشتري باتخاذ قرار واضح.
بل إن الصورة الأوسع تقول إن القطاع العقاري في 2026 دخل مرحلة “إعادة هيكلة” تحت ضغط ارتفاع تكاليف الإنشاء والطاقة، وأن الأسعار ستظل تحت ضغط صعودي بسبب اتجاهات الاقتصاد العالمي وتكلفة التنفيذ، وفق تقديرات منشورة لخبراء ومطورين. هذا يعني أن الأزمة ليست طارئة أو مفاجئة، بل ممتدة، ومع ذلك لا تزال الحكومة تتصرف كأن كل موجة ارتفاع حدث منفصل لا يحتاج إلا إلى تصريحات تهدئة.
الأخطر في كلام القاضي أنه أشار إلى أن بعض المستثمرين أعادوا النظر في استثماراتهم العقارية، وأن البعض صار ينظر إلى العقار كمخطط قائم على المزايدات السعرية المتتالية من الفكرة حتى التسليم. هذه ليست ملاحظة عابرة. هذه إشارة إلى خلل في منطق التسعير نفسه. حين يصبح الارتفاع هو القاعدة المتوقعة قبل اكتمال المنتج، لا تعود السوق محكومة فقط بالطلب الحقيقي، بل تصبح أقرب إلى سباق أسعار يُحمَّل فيه المشتري النهائي كل تكلفة وكل قلق وكل توقع.
الطلب الخليجي لا ينقذ سوقًا تتآكل من الداخل
المهندس رياض العادلي يقول إن الزيادة الطبيعية في الأسعار قد تتراوح بين 15% و20% لتعويض المطورين عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وإن الطلب الخليجي يتجه أكثر إلى الوحدات الجاهزة أو القريبة من التسليم، خصوصًا من مشترين من الكويت وقطر والإمارات والبحرين. هذا الكلام يشرح جزءًا من السوق، لكنه يفضح الجزء الآخر: المطور صار يبحث أكثر عن المشتري الخارجي أو النقدي، لا عن المواطن المصري الذي يطلب سكنًا فعليًا.
صحيح أن السوق العقارية المصرية ما زال لديها طلب حقيقي، وصحيح أن خبراء ومطورين يؤكدون أن الأسعار لن تتراجع بسهولة بسبب استمرار ارتفاع الأرض والخامات، لكن هذا لا يعني أن السوق في صحة جيدة. تقارير منشورة خلال فبراير أشارت إلى أن القطاع يتحرك في 2026 نحو مرحلة أكثر “انضباطًا”، مع بقاء الضغط على الأسعار، وخروج لاعبين أضعف، واعتماد أكبر على المطورين الأكثر ملاءة. هذا ليس ازدهارًا بالمعنى الواسع. هذا فرز قاسٍ داخل السوق.
وإذا كان الطلب الخليجي سيتركز على الوحدات الفندقية والجاهزة في الساحل الشمالي والشيخ زايد الجديدة، فإن السؤال الأهم يظل بلا إجابة: ماذا عن بقية السوق؟ ماذا عن الطبقة الوسطى التي تُسعر خارج القطاع تدريجيًا؟ وماذا عن الوحدات التي تُسوق على أساس أنها استثمار لا سكن؟ الحكومة لا تبدو مشغولة بهذه الأسئلة. هي مشغولة أكثر بترك السوق تعيد إنتاج نفسها حول الشرائح الأعلى قدرة، ثم اعتبار ذلك “استقرارًا”.
القطاع يواصل الصعود.. لكن على حساب المشتري الحقيقي
رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى قال إن الطلب في السوق المصرية سيظل موجودًا لعقود، وإن حديث انخفاض الأسعار “ليس له أساس”، لأن تكلفة البديل ترتفع باستمرار مع زيادة أسعار الحديد والأسمنت ومشتقات البترول. هذه الرؤية مفهومة من زاوية المطور الكبير، وهي مدعومة أيضًا بتقديرات عن وجود طلب سنوي واسع على السكن. لكن المشكلة أن هذا الطلب لا يتحول تلقائيًا إلى قدرة شراء، خصوصًا مع الفجوة المتسعة بين الأسعار والدخول.
هنا يظهر فشل الحكومة بوضوح. لأن السوق لا تحتاج فقط إلى مطور يبيع، بل إلى سياسة إسكان وتمويل وتنظيم تمنع تحوّل العقار إلى سلعة ادخارية مرتفعة الثمن فقط. ومع استمرار ضغط الدولار والطاقة، وتوقف جزء من تدفقات الغاز الإسرائيلية إلى مصر، وارتفاع تكاليف البناء، فإن كل المعطيات تدفع إلى مزيد من الصعود، بينما لا تقدم الدولة سوى الصمت أو التكيف مع الأمر الواقع.
الخلاصة أن الزيادة المتوقعة في أسعار العقارات ليست مجرد نتيجة للحرب أو الدولار أو الحديد. هي أيضًا نتيجة مباشرة لسياسات حكومية تركت السوق تتضخم سعريًا، ثم راهنت على أن العقار سيظل “الملاذ الآمن” مهما ارتفعت الكلفة وتباطأت المبيعات. والحقيقة أن الملاذ الآمن هنا ليس للمواطن، بل للمطور ورأس المال القادر على الشراء، أما الباقون فيُطلب منهم فقط أن يراقبوا السوق وهي تبتعد عنهم أكثر كل شهر.

