قلبَ قرار رفع أسعار الوقود حسابات السوق، وأعاد خلط أوراق السياسة النقدية في مصر بعد أشهر من الرهان على تراجع التضخم وبدء خفض أسعار الفائدة. المشكلة لم تعد في الزيادة نفسها فقط، بل في توقيتها. فالاقتصاد كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، والبنك المركزي كان قد خفّض الفائدة في فبراير 2026 إلى 19% للإيداع و20% للإقراض بعد موجة تيسير حذرة، بينما كان يؤكد في توقعاته أن التضخم سيتجه للانخفاض تدريجيًا خلال 2026. لكن أي صدمة جديدة في الطاقة تعني ببساطة إعادة إشعال تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع في وقت لم تستقر فيه الأسعار أصلًا.

 

اللافت أن الحكومة سبق أن رفعت أسعار الوقود في أبريل 2025 على نطاق واسع. وقتها ارتفع سعر بنزين 95 من 17 إلى 19 جنيهًا، وبنزين 92 من 15.25 إلى 17.25 جنيهًا، وبنزين 80 من 13.75 إلى 15.75 جنيهًا، بينما صعد السولار من 13.5 إلى 15.5 جنيهًا للتر. كما قفزت أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 150 إلى 200 جنيه، والتجارية من 300 إلى 400 جنيه، والغاز الصب من 12 ألفًا إلى 16 ألف جنيه للطن. هذه الزيادات لم تكن هامشية، بل وصلت في بعض المنتجات إلى أكثر من 33%، وهو ما يقدم سابقة واضحة لما يمكن أن تفعله زيادات الطاقة في هيكل الأسعار والإنفاق اليومي للأسر.

 

صدمة أسعار لا تكتفي بمحطات الوقود

 

القراءة الاقتصادية الأكثر صراحة تبدأ من هنا: رفع الوقود لا يتوقف عند تكلفة ملء الخزان. السولار يدخل في نقل الغذاء والسلع والمواد الخام. والمازوت والغاز الصناعي يدخلان في التكلفة الصناعية. وأسعار النقل العام والخاص تتأثر سريعًا، ثم تنتقل العدوى إلى أسعار التجزئة. لهذا السبب لا يكون أثر القرار ماليًا فقط، بل تضخميًا واجتماعيًا في آن واحد. والدليل القريب أن التضخم الحضري في مصر ارتفع في أبريل 2025 إلى 13.9% مقابل 13.6% في مارس، رغم أن البنك المركزي وصف الضغوط حينها بأنها “محدودة نسبيًا” بفضل تراجع أسعار الغذاء. هذا يعني أن صدمة الطاقة لم تُلغَ، بل خفّ أثرها مؤقتًا بعوامل أخرى قد لا تتكرر بالدرجة نفسها.

 

هنا تبدو تصريحات الخبير المصرفي عز حسانين منطقية من حيث الاتجاه العام. فالفكرة الأساسية في حديثه أن أي خفض قريب للفائدة أصبح أقل يقينًا بعد قرار الوقود، لأن البنك المركزي لا يستطيع تجاهل موجة تضخمية جديدة وهو لا يزال يحاول تثبيت توقعات الأسعار. هذا ليس تشددًا نظريًا، بل دفاع تقليدي عن المصداقية النقدية: لا يمكن للبنك أن يعلن حربًا على التضخم ثم يخفف الفائدة سريعًا بينما الحكومة نفسها تضيف عنصرًا تضخميًا مباشرًا إلى السوق.

 

المركزي بين تثبيت الفائدة وخسارة النمو

 

المأزق الحقيقي الآن أن البنك المركزي يواجه خيارًا مُكلفًا في الحالتين. إذا ثبّت الفائدة، فهو يعترف ضمنيًا بأن معركة التضخم لم تُحسم، لكنه يبقي كلفة الاقتراض مرتفعة على الشركات والأسر والدولة. وإذا خفّضها بسرعة، فهو يخاطر بإرسال إشارة خاطئة إلى السوق في لحظة ترتفع فيها تكلفة الطاقة وتزداد حساسية الجنيه لأي ضغوط خارجية. ولهذا تبدو كفة التثبيت أقرب، لا لأنها الخيار الأفضل للنمو، بل لأنها الأقل مخاطرة سياسيًا ونقديًا في المدى القصير.

 

هذا التقدير يجد ما يدعمه في رأي محمد أبو باشا، رئيس التحليل الاقتصادي الكلي في إي إف چي هيرميس، الذي قال في نوفمبر 2025 إن ارتفاع التضخم والحاجة إلى تقييم أثر زيادات الوقود يدفعانه لتوقع تثبيت الفائدة، لا خفضها فورًا. أهمية هذا الرأي أنه صادر عن اقتصادي يتابع السوق المصري بشكل مستمر، وسبق له أن كتب صراحة أن رفع أسعار الوقود يدعم بقاء السياسة النقدية مستقرة على المدى القصير. أي أن السوق نفسها تعرف القاعدة: حين ترتفع الطاقة، تتراجع جرأة البنك المركزي على التيسير.

 

لكن هذه السياسة لها ثمن واضح. فالإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة يعني تمويلًا أغلى للقطاع الخاص، واستثمارًا أبطأ، وضغطًا أكبر على المالية العامة. وهنا يبرز رأي الخبير المصرفي محمد عبد العال، الذي أكد أن أسعار الفائدة الحقيقية في مصر ظلت مرتفعة على نحو انكماشي يضر بالنمو، وأن كل خفض بمقدار نقطة مئوية يمكن أن يوفر على الموازنة العامة نحو 70 مليار جنيه من خدمة الدين. هذه النقطة كاشفة جدًا. فالحكومة لا تدفع فقط ثمن دعم الطاقة أو خفضه، بل تدفع أيضًا ثمن الفائدة المرتفعة التي تُفرض جزئيًا بسبب موجات التضخم المرتبطة بقراراتها نفسها.

 

المشكلة أعمق من قرار واحد

 

الأزمة إذن ليست في سعر البنزين وحده، بل في نمط إدارة اقتصادي متكرر: الحكومة ترفع تكلفة مدخل أساسي، ثم تنتظر من السوق ألا يرفع الأسعار، ومن البنك المركزي أن يوازن بين احتواء التضخم ودعم النمو، ومن المواطن أن يتحمل الأثر باعتباره “تصحيحًا ضروريًا”. والحقيقة أن هذا المسار يضغط على الجميع دفعة واحدة. الأسر تدفع أكثر. الشركات تنتج بتكلفة أعلى. والدولة تؤجل خفض الفائدة فتدفع أكثر على الدين. أما الحصيلة السياسية فهي تآكل الثقة في الوعود السابقة بعدم المساس بالطاقة أو بسرعة انتقال ثمار التراجع التضخمي إلى حياة الناس.

 

الأهم أن بعض الخبراء في ملف الطاقة، مثل ثروت راغب الذي تحدث إلى “أهرام أونلاين”، يرون أصلًا أن الدولة كانت تبيع منتجات بترولية محليًا بأقل من تكلفتها الفعلية. هذا قد يفسر الدافع المالي للزيادات، لكنه لا يلغي سؤال الكلفة الاجتماعية، ولا يبرر غياب شبكة امتصاص فعالة للأثر على النقل والغذاء والقطاع غير المنظم. فالإصلاح الذي ينجح ماليًا ويفشل في توزيع أعبائه بعدالة يظل إصلاحًا ناقصًا سياسيًا واجتماعيًا.

 

الخلاصة أن رفع الوقود لم يضرب فقط توقعات خفض الفائدة، بل كشف مرة أخرى أن السياسة الاقتصادية في مصر ما زالت تتحرك بين هدفين متصادمين: ضبط العجز والأسعار من جهة، وإنعاش النمو وتخفيف كلفة المعيشة من جهة أخرى. وعندما تتقدم قرارات الطاقة قبل بناء حماية كافية للسوق والمستهلك، تصبح النتيجة شبه معروفة: تضخم جديد، فائدة أعلى لفترة أطول، ونمو أبطأ يدفع ثمنه من لا يملكون هامشًا واسعًا للتحمل.