كشفَت أرقام تجارة البترول الخام في مصر خلال الأشهر 10 الأولى من 2025 مفارقة ثقيلة. الدولة صدّرت خامًا بقيمة 891.14 مليون دولار، تعادل نحو 43 مليارًا و28 مليونًا و523 ألف جنيه، لكنها في الوقت نفسه استوردت خامًا بقيمة 1.226 مليار دولار، تعادل نحو 60 مليارًا و556 مليونًا و651 ألف جنيه. النتيجة لم تكن مجرد فرق حسابي. النتيجة عجز يتجاوز 17.5 مليار جنيه في بند حساس يرتبط مباشرة بأمن الطاقة، وقدرة السوق المحلية على تغطية احتياجاتها، وكفاءة إدارة قطاع يفترض أنه من أعمدة الاقتصاد لا من أبواب الاستنزاف.
صادرات تتحرك وعجز لا يتراجع
تُظهر البيانات أن مصر صدّرت خلال الفترة نفسها نحو 1.79 مليون طن من البترول الخام. هذا الرقم يكشف وجود حركة تصدير فعلية، لكنه لا يمنح أي مبرر للاحتفاء المجاني. لأن السؤال الحقيقي ليس: هل صدّرت مصر خامًا؟ بل: ماذا حققت هذه الصادرات إذا كانت الواردات ما زالت أعلى قيمةً وكمياتٍ، والعجز مستمرًا بهذا الحجم؟
المشكلة هنا ليست في وجود صادرات. المشكلة أن الصادرات تحولت إلى رقم للاستخدام الدعائي، بينما الصورة الكاملة تقول إن السوق المحلية لم تستطع الاستغناء عن الاستيراد. وهذا هو جوهر الأزمة. تصدير خام في وقت تظل فيه فاتورة الاستيراد أعلى، يعني أن الإدارة لا تدير ملف الطاقة من زاوية الاكتفاء أو تقليص الضغط على العملة الأجنبية، بل من زاوية حركة تجارية لا تنهي الخلل.
وفي هذا السياق، يلفت الخبير الاقتصادي د. مدحت نافع الانتباه، من زاوية تخصصه، إلى أن الميزان لا يُقرأ من باب حجم الصادرات وحده، بل من باب صافي الأثر على الاقتصاد. وهذا بالضبط ما تقوله الأرقام الحالية. هناك نشاط، نعم. لكن لا يوجد توازن. هناك تصدير، لكن لا يوجد ما يدل على أن هذا التصدير نجح في تخفيف العبء عن الواردات أو في تقليص الفجوة الفعلية.
واردات أعلى وكلفة أثقل
الشق الآخر من الصورة أكثر وضوحًا. مصر استوردت خلال الأشهر 10 الأولى من 2025 نحو 2.25 مليون طن من البترول الخام. الكمية أعلى من الصادرات. والقيمة أعلى أيضًا. هنا لا يعود الأمر متعلقًا فقط بتفاوت تجاري، بل باعتماد واضح على الخارج لتغطية جزء من الاحتياجات. وهذه ليست نقطة فنية صغيرة. هذه إشارة مباشرة إلى أن ملف الخام ما زال يعمل تحت ضغط الطلب المحلي، وأن السوق لم تبلغ بعد مستوى يسمح بتخفيف الاستيراد أو تقليص التعرض لتقلبات السوق الدولية.
حين تدفع الدولة أكثر من 60 مليار جنيه لاستيراد الخام في 10 أشهر فقط، بينما تحصل من التصدير على نحو 43 مليار جنيه، فالمعادلة تقول إن كل ما يدخل من عائد لا يكفي لسد ما يخرج من فاتورة. وباللغة السياسية، هذا يعني أن الحكومة لا تملك رفاهية الحديث عن تحسن مريح في ملف الطاقة. لأن التحسن الحقيقي كان يجب أن يظهر أولًا في خفض الواردات، أو على الأقل في تضييق الفجوة، لا في تركها مفتوحة بهذا الحجم.
ومن زاوية السياسات العامة، يطرح د. محمد فؤاد سؤال الكفاءة والنتيجة. فالأرقام هنا لا تختبر فقط حجم التجارة، بل تختبر أثر السياسات. ماذا يعني أن يظل بند بهذه الأهمية عاجزًا رغم كل الحديث عن التطوير والاستثمارات؟ وماذا يعني أن يبقى الاستيراد هو الحل المستمر، بدل أن يكون إجراءً استثنائيًا مرتبطًا بظروف محددة؟ هذه الأسئلة لا تخص الخبراء وحدهم. هذه أسئلة مالية تمس كل بند في الموازنة، وكل دولار يغادر البلد لتغطية فجوة لم تُحل.
عجز فادح ورسالة سياسية واقتصادية
العجز التجاري في البترول الخام، الذي تجاوز 17.5 مليار جنيه خلال 10 أشهر، لا يجب التعامل معه كرقم عابر في جداول الإحصاء. هذا رقم يخص بنية الاقتصاد نفسه. لأن الطاقة ليست قطاعًا هامشيًا. هي مدخل للإنتاج، والنقل، والتشغيل، والتسعير. وكل خلل فيها ينعكس على تكلفة أوسع بكثير من فاتورة الاستيراد المباشرة.
الأخطر أن استمرار هذا العجز يفضح محدودية الخطاب الرسمي الذي يروّج للنجاحات المجتزأة. فحين تكون الصادرات قائمة، لكن العجز باقٍ، فهذا معناه أن المشكلة أعمق من مجرد حركة بيع وشراء. المشكلة في نمط الإدارة، وفي ضعف القدرة على تحويل النشاط التجاري إلى مكسب اقتصادي صافٍ. ومع كل مليار دولار يُدفع في الاستيراد، تتقلص قيمة أي خطاب يتحدث عن السيطرة أو الاكتفاء أو تقليص الفاتورة.
ومن زاوية سياسية أوسع، تبدو قراءة د. مراد علي ذات صلة بمغزى هذه الأرقام، حتى لو تجاوزت الاقتصاد إلى طريقة إدارة الدولة للملفات الحيوية. لأن الأزمات حين تُدار بمنطق الإعلان لا بمنطق النتيجة، تصبح الأرقام نفسها وثيقة اتهام. هنا لا نرى أزمة في التصدير. نرى أزمة في الحصيلة النهائية. ولا نرى فقط فجوة بين واردات وصادرات. نرى فجوة بين ما يقال عن الاقتصاد، وما تكشفه الأرقام فعلًا.
في المحصلة، لم تكشف بيانات البترول الخام عن قطاع يتحسن بقدر ما كشفت عن قطاع يتحرك بلا حسم. تصدير 1.79 مليون طن لم يمنع استيراد 2.25 مليون طن. وعائد 891.14 مليون دولار لم يوقف فاتورة واردات بلغت 1.226 مليار دولار. وبين الرقمين، يظهر العجز كما هو: مباشرًا، مكلفًا، وصعب التجميل. هذه ليست قصة تجارة نشطة. هذه قصة اعتماد مستمر، وعجز قائم، وسياسة لم تنجح بعد في تحويل الموارد إلى توازن فعلي.

